النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

حادث «الدالوة»: معظم النار من مستصغر الشرر

رابط مختصر
العدد 9344 الأحد 9 نوفمبر 2014 الموافق 16 محرم 1436

«قتل خمسة أشخاص وأصيب 9 آخرون بعد تعرضهم لإطلاق نار من قبل مجهولين. وقعت الحادثة عند الساعة 11:30 من مساء العاشر من شهر محرم، عندما ترجل ثلاثة أشخاص من إحدى السيارات التي توقفت أمام حسينية في محافظة الأحساء، وبحوزتهم أسلحة رشاشات ومسدسات، ليقوموا بإطلاق النار بشكل عشوائي ضد المتواجدين، ما نتج عن هذا مقتل خمسة وإصابة تسعة آخرين». هذا جوهر خبر حادثة مدينة «الدالوة» التي تقع شرق مدينة الهفوف في محافظة الأحساء في شرق المملكة العربية السعودية. ووفقا للعديد من المصادر فقد استمدت المدينة أسمها «نظرا لاستخدام أهالي القرية الدلو في سحب الماء من البئر». لكن البعض من تلك المصادر يذهب إلى القول بأنها اخذت اسمها بفضل «كثرة مزارع العنب فيها حيث يتدلى العنب في كثير من مزارعها، فعرفت بالدالية، وحورت فيما بعد إلى الاسم المعروف الدالوة، حيث قلبت الياء واوا». أخطر ما يحمله هذا الحادث في ثناياه، أنه لم يكن يعكس صراعا بين «محتجين سعوديين» وأجهزة الدولة هناك. حينها، كان يمكن أن يقرأ الخبر على أنه صراع طبيعي متوقع بين «قوى معارضة»، وأخرى «حاكمة». لكن ما عرفته « الدالوة « هو صدام عنيف مباشر بين مكونات المجتمع السعودي ذاته. فبغض النظر عن الجهة التي خططت له، أو الفئة التي تولت تنفيذ العملية، أخذت الحادثة بعدا طائفيا حمل في ثناياه صداما مجتمعيا بين الطائفتين الرئيستين اللتين تقطنان المملكة: السنة والشيعة. الأمر الذي يحمل في طياته احتمالات لسيناريوهات صراعات دموية قادمة، من الصعوبة بمكان وضع تصور علمي لأشكالها، وآفاقها. لكنها تنذر بصدام دموي ما لم تعالج تداعياته بالكثير من الحنكة والحكمة، كي لا تدخل المملكة، لا سمح الله، في أتون حرب أهلية متعاظمة. فكما يقال «معظم النار من مستصغر الشرر» بالإضافة إلى ما تقدم، تكتسب هذه الحادثة الإرهابية أهميتها وخطورتها في المشهد السياسي العربي بشكل عام، ونظيره السعودي على نحو خاص، من الأبعاد المكانية والزمنية التي وقعت فيهما من جانب، وبعدها الاقتصادي من جانب آخر. فعلى المستوى المكاني ينبغي النظر لها من الزاويتين العربية والسعودية. فعلى الصعيد العربي، هي تعني، فيما تعنيه، أن الحراك الذي عصف بالعديد من البلدان العربية خلال السنوات الثلاث الماضية لم يتوقف، كما توهم البعض، عند البلدان التي انطلق منها، بقدر ما واصل مساره نحو أقطار عربية جديدة بعد استعادة أنفاسه في دول أخرى مثل مصر وتونس. ومن هنا فمن الضرورة بمكان أخذ كل الاحتياطات، والاستعداد لمعالجة تداعياته في دول مثل السعودية. تزداد تلك الخطورة، عندما تكون السعودية هي الدولة القادمة، فهذا يعني أولا أنه رسالة صريحة لمحاولة جادة لشل يدها، كيف تتوقف عن التدخل في أوضاع بلدان عربية أخرى مثل مصر، وسوريا، وحتى لبنان، كي تلتفت لما يجري في مجتمعها، وتولي انتباهها له. وعلى نحو مواز، هو خطاب واضح ومباشر لدول مجلس التعاون، كي يدركوا بأنهم لم يعودوا في مأمن من تداعيات ذلك الحراك، الذي تبذل جهات إقليمية ودولية قصارى جهدها لجني ثمار ذلك الحراك العربي، وعلى أكثر من صعيد. أما على المستوى الزمني، فهو يأتي في مرحلة تطفو فيها، بين الحين والآخر، مخططات مشاريع لشرق أوسط جديد، حاولت دول مجلس التعاون أن تكون بعيدة عنه، وأن تميز نفسها عنه، من خلال ما تملكه من فوائض نفطية مالية، توهمت أن في وسعها استخدامه لبناء حاجز في وجه تلك المخططات، التي بات واضحا من الأحداث المتفرقة التي عرفتها منطقة الخليج العربي في الآونة الأخيرة، أن هذه المنطقة، لن تكون بمنأى عن تلك المشاريع، وأن العلاقات الحميمة التي تربط عواصمها والدوائر الغربية والشرقية على حد سواء لن تشفع لها كي تضعها في المكان الآمن الذي تبحث عنه، ويكون قادرا على ان يكفيها شر سيناريوهات ذلك المخطط. ولعل في الإجراءات الأمنية السريعة التي أقدمت عليها السلطات السعودية قبل أيام معدود من حادث « الدالوة»، وفي غضون الساعات القليلة التي تبعت الاعتداء، الكثير مما يكشف ما هو مخبأ للرياض. فهي بإقدامها على شن حملة اعتقالات واسعة شملت العشرات من المواطنين ممن اعتبرهم الأمن السعودي ذوي علاقة بما حدث، وما يمكن أن يحدث، تقوم ببناء ما يشبه السد الأمني المنيع الذي يحول دون اتساع نطاق الحادثة، ويمنع من تداعياتها المحتملة. ومن الجانب الاقتصادي، علينا ان لا ننسى أبدا أن السعودية، وعلى وجه التحديد المنطقة الشرقية، هي خزان تصدير نسبة عالية مما تتلقاه العواصم الغربية الباحثة اليوم، جراء أزمة اقتصادية تلم بها، ومتوقع لها أن تتعاظم، عن أسعار للبترول تحددها هي للكميات الكبيرة لنفطها المستورد من البلدان الخليجية. وليس هناك عنصر ضغط أقوى لإرغام الرياض، وهي المصدر الأكبر لتلك البلدان، على القبول بالسعر الذي يمكن أن يفرض عليها، من زعزعة الحكم من تحت السلطة هناك، وليست هناك وسيلة أفضل من افتعال حادث يهدد أركان البنى الاجتماعية للمجتمع السعودي. يضاف لذلك، وفي سياق بحث الغرب عن طاقة رخيصة، تلك الأزمة المفتعلة بشأن بعض آبار الغاز المملوكة بشكل مشترك بين إيران والسعودية والكويت. تقف السعودية اليوم، ومن ورائها شقيقاتها دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى أمام مفترق طرق يحتاج الكثير من الحكمة السياسية، والحكمة القيادية التي تحدد اختيار أي من تلك المفارق ينبغي أن تسلكها تلك الدول. فالخطوة الأولى ستحدد مستقبلها. وإن كان معظم النار من مستصغر الشرر، فنهاية الطريق تحددها الخطوة الأولى عليه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا