النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

البحرين من السخرية السوداء إلى التندر البناء

رابط مختصر
العدد 9341 الخميس 6 نوفمبر 2014 الموافق 13 محرم 1436

تتحول البحرين تدريجيا إلى ما يشبه المسرح السياسي الكبير الذي تدور على خشبته فصول مسرحية هزلية تنتمي إلى الفئة السوداء من مدارس السخرية، إذ تسود أحاديث المجالس البحرينية هذه الأيام موجة عالية من هذه السخرية السوداء، تعكس مرارة داخلية، في نظرة المواطن للمشهد الانتخابي. محور تلك الأحاديث ينصب على عدم الرضا من المستوى الفردي لفئة كبيرة من المترشحين، وخيبة الأمل في محتوى العديد من برامجهم الانتخابية، والإحباط من بعض الشعارات التي تضللها. أنقل هذه الصورة، دون أن يكون ذلك محاولة للمس بأي من المترشحين أو ما ينادون به. فتشخيص المشاهد «بفتح الميم» لا يعكس وجهة نظر المراقب. يشمل هذا السلوك الساخر الممعن في سوداويته، نظرة من يدعو للمشاركة في الانتخابات، ومن يروج لمقاطعتها، ومن يقف على خطوط الحياد بين هذين المعسكرين المتنافرين، على حد سواء. في البدء لا بد من الإشارة أن لكل طرف من تلك الأطراف الثلاثة أسبابه الذاتية التي تشجعه على الدخول في تلك الحلبة الساخرة، والمغالاة، في بعض الحالات، عند المضي في قراءة المشهد السياسي والتوقف عند منعطفات من يقفون على خشبة المسرح الانتخابي للقيام بدورهم فيه. فلدى الداعون للمقاطعة، تأتي هذه المسحة من السخرية لإرضاء النفس أولا، ولتأكيد أهمية دورهم السياسي ثانيا. فهم يروجون من خلال مثل هذا السلوك الساخر، لما يبرر مقاطعتهم للانتخابات، ويضخم من دورهم السياسي، فيما لو هم شاركوا فيها، وللتنصل، الواعي او غير الواعي، من تداعيات إصرارهم على المقاطعة، ومن ثم إراحة النفس، وإزاحة المسؤولية من فوق كاهلهم عن النتائج التي ستسفر عنها أصوات الانتخابات القادمة. فالمقاطعة، من وجهة نظر هؤلاء المقاطعين، وكما تقول أحاديثهم الساخرة، أخلت الساحة الانتخابية ممن هو كفء لها، لصالح من لا يستحقها. الداعون للمشاركة في الانتخابات، والمتحمسون لها لدرجة أنهم باتوا يضعونهم في مصاف الواجب الوطني، يمارسون هذه العملية الساخرة، تنفيسا عن رفض داخلي عاجز عن معالجة هذه الأزمة الداخلية من منطلق صحيح، لعل أبرز مظاهره عدم نجاحهم في «زحزحة» المقاطعين عن مواقفهم. واللجوء إلى السلوك الساخر عند من يقف إيجابيا من أية أزمة، بما في ذلك الأسود منه، ظاهرة إنسانية طبيعية في مرحلة الأزمات عرفتها المجتمعات البشرية على مدى تطورها. فقد عم الإعلام الدولي موجة ساخرة قبيل الحرب العالمية الثانية عند معالجة الأزمة الاقتصادية، التي قادت – الأزمة وليس الموجة - في نهاية الأمر إلى تلك الحرب. وعرفت البلدان العربية، وتحديدا مصر، مثل تلك الموجة إلى درجة أضطر فيها زعيم عربي بمستوى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أن يقف في خطاب رسمي مناشدا المصريين بالكف عن الاستهزاء بالجيش المصري، حفاظا على معنويات أفراده، وخشية من انهياره كمؤسسة. المحايدون، وهم ليسوا قلة في صفوف من ركبوا هذه الموجة، يعكسون، من خلال أحاديثهم الساخرة، حالة عجز من نمط آخر تميزهم عن أولئك الداعون للمشاركة. فهم، أحسوا بها أم حاولوا غض أطرافهم عنه، يعبرون عن عدم رضاهم عما يدور على المشهد السياسي، دون ان يمتلكوا القدرة الحقيقية على المشاركة في التغيير، أو التحول إلى أحد أرقام معادلته المطلوبة. فمن جانب هم متحمسون، وبإخلاص، لإنجاح الانتخابات، لكنهم لا يريدون أن يجاهروا بذلك، خشية أن يكون موقعهم في وسط المسافة بين المتحاربين، فيصبحوا ضحية نيرانهم المتبادلة. وبعيدا عن ذلك التشخيص، على من يريد فهم السبب الحقيقي والرئيسي الكامن وراء هذه «اللوعة البحرينية الساخرة»، أن يفتش عن السبب الأساس الكامن وراءها. ليس القصد هنا اختزال الأزمة في سبب واحد، بقدر ما هو تحاش للخوض في الأسباب الثانوية فيغيب عن ناظر المشاهد ذلك السبب الرئيس. فالسبب الحقيقي هو انعدام الثقة بين مكونات المجتمع السياسية إلى درجة نجحت فيه عدم الثقة هذه إلى أن تحول الصراع السياسي عن مساره الصحيح وتخرج قطاره عن سكته الحديدية التي توصله إلى المحطة القادمة التي ينوي سائقه التوقف عندها. وعليه يصعب التكهن بطبيعة المحطة النهائية التي سيتوقف عندها ذلك القطار، ومن ثم المصير الذي يتربص بركابه. فانعدام الثقة بين تلك المكونات يشيع التوتر في صفوف كل منها على حدة، وينعكس ذلك في ممارسات متطرفة تقوم بها فئات معينة تبعد جميع الأطراف عن أهدافهم المنشودة. وتتغير وفقا لذلك أساليب الصراع، وتختل موازين التكامل المدني، كي تحل مكانها دعوات التفتيت الفئوي، الذي يأخذ أشكالا مختلفة تغمرها النزعات الطائفية وتلونها الفزعات القبلية. انعدام الثقة من بين تلك المكونات يعقد من طبيعة العلاقات السياسية، ويمهد الطريق ويجعلها سالكة أمام ممارسات التأزيم، وسلوكيات التطرف. ومتى ما ساد التأزيم والتطرف أخلاقيات المكونات السياسية، يصبح من الصعوبة بمكان رسم معالم الصورة النهائية لمثل هذا التطرف الذي، كما تثبت تجارب شعوب أخرى، يفلت قيادة الحركة السياسية من أيدي العقلاء المرنين، ويضعها بين أنياب الغلاة المتصلبين، الذين يجدون الفرصة سانحة أمامهم لممارسة كل أشكال التطرف الذي يفرغ الحقد المتأجج في جعابهم. وبطبيعة الحال، يصب ذلك في طاحون تعقيد الأمور، وإيصال البلاد إلى شفا حفرة ليس لها قرار. المخرج الحقيقي، بل ربما يكون الخطوة الأولى على طريق تصحيح مسار العلاقات السياسية هي العمل الجاد من أجل استعادة الثقة بين تلك المكونات، واستقرار الاستئمان بين صفوف القوى المتصارعة. والخروج من هذه الحالة الاستثنائية إلى ما هو نقيض لها، يتطلب قيادة تاريخية تتقدم الصفوف وتأخذ قرارات تاريخية قد تبدو في شكلها الخارجي مهينة، لكنها في جوهرها قادرة على انتشال البحرين من هذه الأزمة، وحينها ستنتقل البحرين من حالة السخرية السوداء، إلى مرحلة التندر البناء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا