النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

ثقافـــــــة تزييــــف الحقائــــــق

رابط مختصر
العدد 9256 الأربعاء 13 أغسطس 2014 الموافق 17 شوال 1435

تغتني ثقافتنا الشعبية بحصيلة وافرة من المقولات والأمثال والمفردات والنعوت التي تُطلَق على المُنتَقِد الذي لا يفصح عن نقده صراحة لأي مظهر من مظاهر السلوك الاجتماعي، أو السياسي، أو غيره. فعلى سبيل المثال عندما ينتقد فلان فلانا آخر متواريا خلف مداعبة ناعمة يقصد منها النقد الحاد لشخص ما أو فعل ما سيئ من وجهة نظر المُنتَقِد فإننا نقول هذا المثل: «امزاح وطعن رماح»، وعندما يتخفى فلان خلف كلام مبهرج ولا يظهر انتقاده بشكل واضح للشخص المعني فإننا نقول إن هذا الإنسان «يمعس» في كلامه، أي في قوله معنى آخر لا يظهره متعمدا، أما إذا كان المنتَقِد يوجه كلامه إلى شخص ما لا يقصده بنقده وإنما يقصد شخصا آخر يكون حاضرا فإننا نقول: «الحجي (الحكي) لك يا جنّة (كنّة).. وافهمي يا جارة». هناك الكثير من الأمثال والمفردات والتعابير التي تزخر بها ثقافتنا الشعبية من واقع غنى مجتمعنا البحريني بمكوناته الاجتماعية والعرقية والإثنية، ولكني اخترت أنسبها لموضوع المقال الماثل أمامك. ولك عزيزي القارئ أن تسألني: ما مناسبة هذه المقدمة لموضوع يبدو من عنوانه أنه يخوض في الشأن السياسي؟ ولك كل الحق في طرحك هذا السؤال، ومن واجبي أن أكشف لك عن مناسبة هذه المقدمة. إجابتي لك عزيزي القارئ لن أذهب فيها مذهب المحلل لأمثالنا، بل هي ماثلة في أن دواعي هذه المقدمة مرتبطة رأسا بما قرأت في الأيام القليلة الماضية في جريدة «الوسط» من مقالات للكاتب الصحفي المحترم منصور الجمري الذي يرأس تحرير هذه الجريدة، ورغم أن المضمون في مجموعة المقالات هذه واحد، إذ يغلب عليها نبرة الشكوى من ضياع الحقوق وتغول الاستبداد والفردية في اتخاذ القرارات المصيرية، إلا أنني اخترت منها واحدا عنوانه «ثقافة تبرير الأخطاء» ليكون مدار الحديث في هذا المقال. وعطفا على عنوان المقال المذكور بداية أقول إن من يتابع الأخ الكاتب يتضح له أن من أكثر الكتابات تبريرا لأخطاء جمعية «الوفاق» والجمعيات المذهبية واليسارية الأخرى المتراكمة منذ أكثر من ثلاث سنوات كتابات منصور الجمري، ما يجعل القارئ يستخلص بأنه مدافع غيور عن هذه الجمعيات ومبرر دائم لما أتته من أخطاء في طريقة معارضة الحكومة وإساءات غير مغتفرة إزاء الشعب البحريني. ومع أن المقال واضح وضوح الشمس لكل من يقرأه، إذ يسلط فيه الكاتب الضوء على بعض من الممارسات السياسية «الخاطئة» في بلدان «منطقتنا»، و«الفهم لك يا جارة». غير أن ما لم أفهمه حقيقة هو انتقال الكاتب الفجائي في الفقرة الثانية من المقال إلى الحديث عن ممارسات لا أخلاقية مثل ظاهرة التحرش والاعتداء على النساء متمنيا أن يتخلص منها المجتمع، ولم أدرك «الجارة» المعنية في «منطقتنا» رغم اتجاه بوصلة شكي إلى الشقيقة مصر التي مثل تخلصها من عصابة الإخوان صفعة لكل تجار الدين سواء فيهم من قدم عليه مرشدا عاما أو من ولى عليه فقيها. شخصيا لا أعتقد أن الموضوع المتناول فيه شيء من الحساسية بحيث يجعل الكاتب مترددا في الإشارة إلى من هو أو من هي الجهة المعنية بممارسة «تبرير الخطأ»، ولهذا وجدتني من بعد كل فقرة من فقرات المقال أخلص إلى أن الكاتب في كل ما كتب كان «يمعس» الحكومة والمجتمع البحرينيين معا فيما يقول. ولعلك، قارئي العزيز، سوف تدرك بعد حين من قراءة هذا المقال أن العنوان الذي يعتلي هذه المساحة مستوحى من واقع فهمي لما قاله رئيس التحرير المذكور في مقاله. أنا شخصيا أردت لمقالي هذا أن يكون واضحا في تناوله ممارسات تزييف الحقائق التي صارت ثقافة أيضا ولها ممارسيها، من دون أن أضطر للجوء إلى معين ثقافتنا الشعبية للاستعانة بالطريقة التي من خلالها أطرح وجهة نظري، لأني مؤمن بأن مساحة حرية التعبير المتاحة في مملكة البحرين كافية ويمكنني من خلالها إيصال ما أريد من دون مراوغة، أو الاختباء وراء أي من الأساليب. بين ثقافة تبرير الأخطاء التي تكلم عنها رئيس التحرير وبين ثقافة تزييف الحقائق التي أخذتها عنوانا لمقالي مشتركات قيمية وأخلاقية وسلوكية غالبا ما تكون في اتجاهات سلبية. ففي إطار المجتمعات الإنسانية يمكن أن يكون ممارس فعل تبرير الأخطاء لجماعة ما هو ذاته من يزيف الحقائق لجماعة أخرى، ومن الجائز أيضا أن يحتضن المجتمع الواحد النقيضين معا، ما يعني أن في هذا المجتمع الواحد هناك صنف من البشر من الذين يبررون الأخطاء وهؤلاء كما قال رئيس التحرير«ينتهون معنويا»، وهناك من يزيفون الحقائق وعن هؤلاء أقول بأنهم يسهمون في وضع نهاية ساحقة ماحقة لكيانات مادية مثلما كان الحال في العراق حيث لا وجود اليوم لدولة حقيقية. يقول رئيس التحرير في مستهل حديثه، وأنا أتفق معه في ذلك، «الأحداث التي تجري من حولنا تطرح تحديات دينية وثقافية، ولأن منطقتنا أصبحت من أكثر المناطق التي تعاني من القمع بين الناس فقد نشأت ثقافة لتبرير ذلك». أتفق معه بل إني لأزيد عليه بأن «منطقتنا» كانت ومازالت تعاني، غير أن السؤال المتغافل عنه هنا هو: هل دول «منطقتنا» على درجة واحدة من التعامل مع شعوبها؟ فإذا افترضت أن الكاتب قد عنى «بمنطقتنا» الشرق الأوسط، فهل ما ينعم به شعب البحرين، وأنا لا أبرر، من دستور كافل للحريات وناظم للعلاقة بين مؤسساته، وكافل لعملها، هي نعمة لدى كل دول «منطقتنا»؟ هل إذا قلنا بأن في البحرين مؤسسات دستورية بقياس الزمن وتطور المجتمع الثقافي، لا تزال يافعة وتحتاج إلى مزيد التطوير، فإننا نبحث عن مبرر للأخطاء، أم أننا نعكس واقعا تريد له الجمعيات المذهبية إخفاءً وطمسا، لتسوق بديلا عنه أكاذيب التمييز والاضطهاد والاستبداد؟ الأخ منصور يقول أيضا «إن المجتمعات التي تنتعش فيها ثقافة التبرير تنتشر فيها جميع أنواع الممارسات التعسفية والقمعية وغير الأخلاقية، وترى الممارسين لذلك يتبنون رؤية أحادية وأنانية للحياة..» قولي أنا أرسله إلى الأخ منصور على هذا النحو: «أليست رواية القمع والاستبداد والتمييز والاضطهاد، التي تلوكها الجمعيات المذهبية لوكا حتى سئم الشعب منها تحظى منكم في جريدة «الوسط» بمعاملة خاصة فلا تشكيك ولا ذرة نقد لما يروجون، فلهذه الجمعيات الغارقة في الطائفية حصانة عجيبة لديكم، إذ لا تمس بسوء، وهي في كل الأحوال على حق مهما أثمت، ومهما ارتكبت من فواحش الفعل والقول؟» أنا أعتقد بأننا جميعا مسؤولون أمام الوطن والملك بالاعتراف أننا أخطأنا في قراءة مشروعه العظيم الذي لو فهمنا آفاقه لكنا اليوم في حال أفضل مما كنا قد مررنا به، وبأن ما دمرناه بقلة وعينا بمشروع جلالة الملك الإصلاحي مضمونا وأبعادا سنعيد حتما بناءه. ما أبشر به أخي منصور، وأظنه سيفرح لذلك، و«الوفاق» وشقيقاتها من المذهبيات و«اليساريات»، وأراهم سيغتمون بذلك، أن البحرين كما هي بسنتها وشيعتها وحدة واحدة تتكرس على مدى الوقت فأواصر الأخوة بين مكونات هذا المجتمع الجميل كافة تتعمق يوما بعد يوم رغم البوم الناعق، والتلاحم بين عموم الشعب البحريني وأسرة آل خليفة الكرام يقوى يوما بعد يوم رغم نعيب غربان البين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا