النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

سلوك التجزئة العربي، مؤقت وعرضي

رابط مختصر
العدد 9232 الأحد 20 يوليو 2014 الموافق 22 رمضان 1435

من يطالع عناوين تغطيات وسائل الإعلام وتفاصيل تغطياتها للأوضاع في المنطقة العربية سيجد أمام ناظريه مجموعة من الأخبار تقول دون الحاجة لاستخدام المعقوفتين لأن جميع ما سيرد أدناه منقول من مصادر إخبارية يحق النقل عنها - أن هناك موجة تجزيئية تجتاح المنطقة العربية نجد معالمها الواضحة في الوقائع التالية: ستكون نقطة البداية فلسطين المحتلة، فهي الأكثر سخونة، فقد أكدت مصادر مطلعة بقطاع غزة، أن طيران الاحتلال استهدف منزل الصحفي محمد عبدو بحي التفاح شرق غزة، وأوضحت المصادر، أن طيران الاحتلال شن عدة غارات جوية على مدينة خان يونس، حيث استهدفت طائرات الاحتلال أراض زراعية في بلدة «عبسان الكبيرة» شرق المدينة. ترافق ذلك مع رحيل الاف الفلسطينيين من منازلهم في قطاع غزة بعد التهديدات من جانب اسرائيل بضرب المدينة. وكتب في منشور أسقطه الجيش الإسرائيلي على بلدة بيت لاهيا قرب الحدود مع إسرائيل “من لا يذعنون للتعليمات سيعرضون أرواحهم وأرواح عائلاتهم للخطر. احترسوا”. وقالت وزارة الصحة في غزة إن 160 فلسطينيا على الأقل منهم 135 مدنيا بينهم نحو 30 طفلا قتلوا خلال ستة أيام كما أصيب أكثر من ألف. وفي مصر، وتحديدا في سيناء، وقع انفجار شديد بضاحية السلام بمدينة العريش، ما أدى الى سقوط 3 قتلى، وإصابة 22 مواطنا. وفي ليبيا قتل ستة أشخاص على الأقل وجرح 25 آخرون في مواجهات وقعت الأحد بين مجموعات مسلحة من أجل السيطرة على مطار طرابلس وفق ما أفاد فرانس برس ناطقا باسم وزارة الصحة. وتصدى مسلحون من كتائب الزنتان للهجوم لكن المواجهات ما زالت متواصلة من حول المواقع التي يحتلونها لا سيما على طريق المطار. وفي العراق جاء في تقرير نشر على تلفزيون العراقية الرسمي، أن اشتباكات مسلحة اندلعت، صباح اليوم، في قرى نوفل، شمال قضاء المقدادية، -35 كم شمال شرق بعقوبة - اسفرت عن مقتل ابن عم البغدادي والقيادي في تنظيم داعش مزبان البدري والملقب بمزبان الاعرج، مع أحد مساعديه. يأتي ذلك في أعقاب معارك دامية وانفجارات متفرقة ذهب ضحيتها العشرات من الموتى، والمئات من المصابين، وآلاف من المهجرين. وفي الجزائر اعلنت وزارة الدفاع الجزائرية ان ثلاثة عسكريين واربعة افراد من الحرس البلدي «قوة شبه عسكرية» قتلوا إثر انفجار قنبلة في منطقة عين عائشة بولاية سيدي بلعباس. وقالت الوزارة أن هذه العملية الإجرامية لن تزيد الجيش الوطني الشعبي الا عزيمة واصرارا على مطاردة فلول المجموعات الإرهابية. من يرى هذه الصورة العربية دون تجزئة، مركزا على أهم معالمها، سيكتشف دون أية صعوبة، أنه بينما يلهو العرب كل على حدة في قضاياهم القطرية التفصيلية، ينفرد العدو الصهيوني بمن يفترض فيهم ان يكونوا عربا يقطنون فلسطين، ويقتل بدم بارد، غير أبه باحتمال ردة فعل عربية ـ إذا استثنينا سقوط صاروخ «خجول» أطلق من الاراضي السورية على الجزء الذي تحتله إسرائيل من هضبة الجولان في مساحة مفتوحة دون ايقاع إصابات، بحسب ما أعلن الجيش الاسرائيلي. هذه الحالة التجزيئية لم تعد سلوكا عرضيا يحكم ردود الفعل العربية تجاه القضايا الكبرى التي كانت أحداثا أقل خطورة منها تحرك الشارع العربي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ومن ثم نجدها اليوم تحظى ـ أي هذه النزعة التجزيئية ـ بدعم ليس الأنظمة العربية فحسب، ولكن القوى التي تقود الشارع العربي وتسيطر على اتجاه حركته. بل أصبحنا نسمع ونرى دعوات تجاهر، دونما خجل أوخشية، بأن ذلك الشعور القومي لم يكن أكثر من ردود فعل عفوية لا يعول عليها، في حين يتمتع هذا السلوك التجزيئي بالرصانة التي تعبر عن نضج في الوعي العربي يستحق الرعاية والاحتضان والتطوير، بل وحتى التأصيل. ليس هناك من بوسعه أن ينكر ما كان يشوب ردود فعل القومية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي من عفوية، وربما جيشان عاطفي ساهم في حرفها ـ مؤقتا - عن الطريق الصحيح، أو إبعادها عن الهدف المطلوب، لكنها كانت في جوهرها سليمة، وفي اتجاهها مصيبة، بخلاف ما هو عليه السلوك التجزيئي اليوم، الذي يقسم المنطقة العربية قسريا إلى مجموعة من الجزر المتناحرة التي لا يجمعها شيء أكثر من المجاورة الجغرافية، وفي ذلك نسف مقصود للقواسم التاريخية والحضارية، بل وحتى العقيدية المشتركة التي تجمع شعوب هذه المنطقة وتشكل منهم أمة واحدة. هذه النظرة التجزيئية، لا تقف عند تزوير الحقائق ومعها تشويه الفكر العربي فحسب، فهي في آن تسير في اتجاه معاكس لحركة التاريخ وقوانينه الصحيحة التي تسير الجغرافيا السياسية للعالم المعاصر المشجعة لبناء التكتلات الكبرى بدلا من احتضان الدعوات التفتيتية. هذا ما نشهده في العالم المتقدم مثل أوروبا وجنوب شرق آسيا. ليس هناك من يختلف على أن الظروف هناك مغايرة، والتحديات مختلفة، لكنها في نهاية الأمر تؤول إلى صراع بين التجزئة والتوحد، ولو أمعنا النظر بين عوالم الوحدة المتجذرة في المنطقة العربية، وقارناها مع تلك القائمة في أي من المنطقتين الأوروبية والآسيوية المشار لهما أعلاه، لوجدنا أن جذورها أكثر عمقا في بلادنا العربية، وأشد قابلية للتوحيد منها للتجزئة. ليس المطلوب تجاوز أو حتى إهمال عناصر التجزئة التي قادت إلى ما نحن عليه اليوم، فهذه نظرة طوباوية لا تستطيع أن تصمد امام قوانين التاريخ الآنية ومنطق حركته الحالية، لكنه بالقدر ذاته، من الخطأ الخضوع لها واعتبارها حقائق راسخة لا يمكن تغييرها، فالشعوب الحية هي التي تقف في وجه مثل تلك التحديات وتتجاوز الصعاب التي تولدها كي تصل إلى ما يحقق آمالها في وحدتها. صمود النزعة التجزيئية مؤقت، وسيادة السلوك التوحيدي راسخة. ومن ثم فمن غير المنطق أن يصمد سلوك التجزئة العربي، فهو مؤقت وعرضي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا