النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

إقصاء الآخر ... أو زرع الكراهية

رابط مختصر
العدد 9138 الخميس 17 أبريل 2014 الموافق 17 جمادى الآخرة 1435

في اللغة «إِقصاء “هو اسم، وفعله أقصى. وأقصى الشيء يعني، أبعَده. أقصى يُقْصِي، أقْصِ، إقْصاءً، فهو مُقْصٍ، والمفعول مُقْصًى. من أسوأ الأمراض التي يمكن أن يعاني منها أي مجتمع هي سياسة الإقصاء، أو نفي الآخر، والتي ليست بالضرورة محصورة في النطاق الداخلي، بل يمكن أن يتسع نطاقها كي تشمل الدائرة الخارجية لذلك المجتمع. فقد عرف التاريخ حالات كثيرة، كما شاهدنا خلال مرحلة انتعاش الحركة الاستعمارية الأوروبية، سعت أثناءها فئة معينة أو جنس محدد، اصطفاء ذاته من خلال نفي الآخرين. وتتنوع أشكال الإقصاء كي تشمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لكنها تلتقي جميعا في نهاية المطاف عند نقطة واحدة يلخصها مقال، أديتيا أنوبكومار، من ترجمة: بثينة الإبراهيم، وحمل عنوان «مفهوم الإقصاء»، الذي يعتبر الإقصاء، أو التهميش عادات «المجتمعات البشرية أو ميولها الصريحة في التخلص من غير المرغوب بهم أو الذين تراهم بلا منفعة، أو استثنائهم «تهميشهم» من أنظمة الحماية والتفاعل السائدة في المجتمع، ومن ثم تقليص فرصهم ومواردهم المالية التي تعينهم على البقاء». وتتفاوت مظاهر الإقصاء والدائرة التي تغطيها والسلوك الذي تعبر عنه. لكننا إذا ما حصرنا ذلك في الجانب السياسي، وضيقنا من دائرته فجعلناها تقف عند القوى المعارضة التي تحاول أن تصلح نظاما ما، فسنكتشف أنها، وفي حالات كثيرة تتجاوز في حدتها، وفي ممارساتها تلك التي تمارسها القوى المصنفة خارج الدائرة المعارضة «بكسر الراء» تجاه المعارضة ذاتها، كي تصل إلى سلوك بين فصائل المعارضة تجاه بعضها البعض. هذه المقدمة التي لا بد منها لمفهوم الإقصاء ودوافعه، تبرز بقوة عند مناقشة الأوضاع السياسية في البحرين، حيث تنتعش اليوم مساعي إعادة النشاط إلى ما أصبح يعرف في البحرين باسم «التيار الوطني الديمقراطي». وبعيدا عن الدخول في متاهات التعريف، ففي بساطة تقتضيها سخونة الساحة السياسية، وتفرضها دعوات الابتعاد عن ترف الجدل حول التعريفات، يمكن القول إن هذه محاولة لتمييز من ينشط سياسيا من أجل بلورة تيار سياسي، بعيدا عن الانتماء لتيارات الإسلام السياسي. دون اصطفاء لذلك التيار، أو التقليل من حجم ومكانة الدور الذي يمارسه التيار المعتدل بين صفوف الإسلام السياسي. وبدءا، وانطلاقا من رفض «الإقصاء» مفهوما وسلوكا، لا بد لهذا التيار، إن شاء لنفسه الحضور في الساحة السياسية، والفعل الإيجابي فيها أن يتحاشى، وبدرجة لا جدال فيها، الدخول في أية مساجلات من شأنها أن توحي بأنه يسعى لنفي الآخرين، أو طرح نفسه بديلا لهم أو لأي منهم، وفي مقدمة هؤلاء جميعا التيارات السياسية المتحالفة مع الدولة، أفرادا كانت التيارات أم مؤسسات، وبعدها تيارات الإسلام السياسي بمختلف تلاوينها السلمية المعتدل البعيدة عن «الغلو». فطالما قلنا بأن سقف العمل السياسي في البحرين هو «إصلاح النظام سلميا وعبر المؤسسات التي أفرزها المشروع الإصلاحي، ووافق عليها شعب البحرين بغالبية ساحقة»، فليس من المنطق أن تمارس أي من القوى السياسية، ومن ضمنها التيار الديمقراطي، سلوك نفي الآخر أو تجريده من حقه في مزاولة العمل السياسي وفق المنظور الذي يراه، ومن خلال الأشكال التي يعتقد أنها الأكثر فعالية. نقطة الانطلاق هنا تنبع من أسباب ثلاثة هي: أولها، انحراف العمل السياسي في البحرين نحو العنف، وتزايد أشكاله أفقيا من حيث عدد العمليات ووتيرتها، وعموديا من حيث نوعيتها وحجم التدمير الذي تتركه، الأمر الذي يهدد بتحول المجتمع من الأخذ بمفاهيم العمل السياسي الإصلاحي السلمي، نحو تلبس النشاط السياسي العنيف، الذي يحمل في جوهره مقومات نفي الآخر، ومكوناته الأساسية، والذي لا يمكن أن يؤدي في نهاية الأمر إلى بناء مجتمع سياسي متمدن، بقدر ما يقود نحو مجتمع مفكك يقوم على الكراهية، ويزرع بذرات الحقد، التي تؤسس لفكر نفي الآخر وتغذي جذوره. وأول خطوات محاربة موجة العنف هذه، هي الاعتراف بالآخر، والقبول بالتعايش السياسي معه. ثانيها الأزمة المحيطة بالعمل السياسي في البحرين الذي يكاد أن يصل إلى طريق مسدود، ويصطدم بحائط سميك يمكن أن يقود إلى حالة يأس سياسي مفزعة تكون تداعياتها مدمرة على جميع القوى السياسية بما فيها الدولة. فبعد مرحلة الانفتاح السياسي التي ولدها المشروع الإصلاحي، وهامش الحريات الواسع الذي رسمه ذلك المشروع، تقترب البحرين اليوم من حالة تكاد أن تتطابق مع تلك التي عرفتها منتصف السبعينات من القرن الماضي، في أعقاب حل المجلس والعمل بما عرف باسم «قانون أمن الدولة». هذه الحالة تدعو الجميع إلى التمسك بجوهر المشروع الإصلاحي، وحث الجميع على العمل من خلاله من أجل تطويره للوصول إلى الأهداف التي حددها ذلك المشروع لنفسه، ولمستقبل البحرين معه. ثالثها، حالة التمزق غير المبررة التي تشظي جسد مكونات التيار الوطني الديمقراطي، والتي مهما سيق من تفسيرات لها، لكنها، كحالة، لم تعد مقبولة، وهناك أصوات من داخل التيار ومن خارجه، تنادي بوضع حد لها، من أجل الخروج من أزمة يمكنها أن تدمر مكونات ذلك التيار، وهي مكونات جرى تشييدها عبر سنوات من التضحيات، ربما لا يستطيع أن يقدرها من كانوا خارجه. إن شاء هذا التيار أن يبرز كقوة فاعلة لها حضورها في الساحة السياسية، وتأثيرها في مجرياتها، فعليه قبل أي شيء آخر، وضع حد لحالة النفي المتبادلة بين أطرافه، من أجل انتشال نفسه من مستنقع الكراهية التي ولدتها نزعة النفي التي نتحدث عنها، ومتى ما نجح في ذلك، فسنجده يشكل نواة لزرع سلوك القبول بذلك الآخر ليس مع قوى المعارضة الأخرى فحسب، وإنما مع مؤسسات السلطة ومكوناتها. حينها ينتشر مفهوم الإصلاح السلمي، وتسيطر مقولات العمل من داخل مؤسسات النظام، بدلا من تقويضها. ويعمل الجميع من أجل تحاشي اقصاء الآخر ... أو زرع الكراهية، وعندها تصدق مقولة نيكولا مالبرانش «أكبر عقاب لي أن أعيش وحيدا في الجنة».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا