النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

المرتزقـــــة الجـــــدد

رابط مختصر
العدد 9120 الاحد 30 مارس 2014 الموافق 29 جمادى الأولى 1435

كجميع المهن الأخرى، تطورت مهنة المرتزقة، وتطور معها الدور الذي باتت تمارسه وتتقاضى أجرها المتفق عليه بينها وبين من استدعاها. فتاريخيا كانت المرتزقة فئة أجنبية لا تنتمي لسكان أي من الأطراف المتنازعة. والمُرْتَزق، كما هو متعارف عليه «اسم يطلق على شخص يخدم في القوات المسلحة لبلد أجنبي من أجل المال. ومعظم الرجال والنساء المرتزقة يفعلون ذلك من أجل المال أو لأنهم يحبون الحرب والمغامرة». وتجدر الإشارة هنا إلى أن مهنة المرتزقة هي مهنة قديمة استفادت منها، كما تشير المصادر، «بلاد فارس واليونان وروما، في الأزمنة القديمة. وشاع استخدامهم خلال الفترة من القرن الثاني عشر حتى القرن السادس عشر الميلاديين، فقد استأجر كثير من الحكام آنذاك جنوداً محترفين مدربين لحماية دولهم. كما أن بعض الحكام ربحوا أموالاً بتأجير جيوشهم لدول أخرى للعمل مرتزقة». هذا وقد «استأجرت بريطانيا أثناء الثورة الأمريكية (1775 -1783م) جنوداً ألمانيين لمحاربة السكان الأمريكيين». وغالبا ما تجيش المرتزقة عندما تستدعى من قبل أحد الأطراف المتنازعة، أو جميعها، كي تحقق مجموعة من الأهداف، الأهم من بينها: 1. تغليب موازين القوى لصالح الطرف المستعين بالمرتزقة بعد أن عجز عن حسم الصراع، الذي كان حينها محصورا في الجوانب العسكرية، لصالحه، أما لتحقيق النصر أو لتحاشي الهزيمة. 2. اختزال فترة الصراع، حيث بات الزمن عنصرا حاسما من شأن «تمطيه» إرهاق أحد الأطراف الذي لم يعد أمامه، بعد أن استنفذ جميع إمكاناته الذاتية، من طريق أخر سوى الاستعانة بمحترفي الحروب، الذين مهما كانت كلفتهم مرتفعة، لكنها أدنى من تلك الناجمة عن استمرار الصراع، بكل اشكاله، وعلى النحو الدائر فيه. وفي البداية كانت عملية التكليف تتم في إطار فردي، أو في نطاق مجموعات صغيرة جمعت بينها ظروف آنية غير مستمرة. لكن مع تطور المجتمعات، وتعقد أشكال الصراعات تطورت «تجارة مرتزقة الحروب» كي تأخذ السمات التالية: 1. الانتقال من المجال الخارجي المحض إلى الداخلي أيضا، فبتنا نرى مرتزقة محليين يتعيشون على تأجيج الصراعات، ويقتاتون من استمرارها واتساع نطاقها. مثل هؤلاء، هم من المحترفين المتقاعدين من الخدمات التي كانوا يمارسونها في مؤسسات الدولة ذات الطابع العسكري. 2. التنوع في الوظيفة والاتساع في المجال، فبعد أن كانت مقتصرة على الصراعات المسلحة تشعبت فباتت تشكل الصراعات الإعلامية والمنافسات الاقتصادية. فبتنا نرى المرتزقة الإعلاميين الذين يستعان بهم نظرا لما يتمتعون به من مؤهلات إعلامية، تساعد الطرف المحتاج على تحسين أدائه الإعلامي، ومن ثم تغليب أساليبه الإعلامية على الخصم، كي يتسنى له حسم الصراع في الميدان الإعلامي لصالحه. 3. التمأسس، فلم يعد الأمر محصورا في الاستعانة بالمرتزقة الأفراد، أو المجموعات الصغيرة المحدودة زمنيا وبشريا، بل بتنا نرى شركات ضخمة عابرة للقارات أو متعددة الجنسية، تم تأسيسها لخدمة أغاض الارتزاق. ولعل شركة بلاك ووتر العالمية «Blackwater Worldwide « أحد نماذجها. ومرة أخرى لم يعد الأمر محصورا في النطاق العسكري، أذ اتسع كي يشمل الإعلام، والعلاقات العامة أيضا. بل باتت هناك أكاديميات تعمل من أجل تخريج أفواج من المرتزقة المؤهلين للانخراط في ساحات الصراع وفقا للمهمة المناط بهم إنجازها. وعلى المستوى العربي شاهدنا انتعاشا ملحوظا للمرتزقة الجدد، بالفئات التي تمخض عنها تطور المجتمع الإنساني أولا، وأنماط الصراعات التي رافقته، وأشكالها التي أفرزها ثانيا. والجميع منها في جوهرها ولادة طبيعية لذلك التطور المصحوب بالنمو، الذي رافق ظاهرة ما أصبح يعرف باسم «الربيع العربي»، والتي ما تزال تداعياتها، ومن ثم تداعيات الارتزاق التي رافقتها، مستمرة حتى يومنا هذا. على أن خطورة «الارتزاق العربي»، إن جاز لنا التوصيف أنه قام على المرتكزات التالية: 1. تأجيج الصراعات بين الدول العربية ذاتها، فوجدنا دولا عربية معينة تتدخل مقابل دول عربية أخرى. الغريب في هذا التدخل الخارجي، أننا وجدنا المتدخلين يتقاتلون فيما بينهم في نطاق الجبهة الواحدة، بدلا من تكتيل جهودهم، ورص صفوفهم ضد من يفترض فيه أن يكون العدو الرئيس للجبهة التي هبوا لنجدتها. وفي الحالتين المصرية والسورية شهادات حية دامغة تكشف هذا النوع من «الارتزاق» العربي الرسمي. ربما يكون هذا التوصيف مؤلما وقاسيا، لكنه حقيقة ينبغي علينا الاعتراف بها أولا، ومعالجتها ثانيا. خطورة المسألة هنا أن الأمر لم يعد مقتصرا على الساحة المعنية وحدها، بل تجاوزها كي يصل إلى عقر الدول العربية المتصارعة في جبهة، كان من المفترض أن تكون خارجية بالمعنى السياسي للتعبير. 2. اتساع نطاق الصراع، بحيث لم يعد محصورا في الفئات التي شدت رحالها للمشاركة في الصراع، أفرادا تلك الفئات كانت أم مؤسسات رسمية، بل تطور كي يمس مواطني تلك الدول ممن لم يشاركوا في «ساحة الوغى». فانتقلت المعارك، بل زاد سعارها، وخاصة الإعلامية منها، كي ينخرط في أتونها المواطن العادي الذي أصبح يجد نفسه حطبا لنيران حروب كان من المفترض أن يكون بعيدا عنها. 3. تأثر مؤسسات اقليمية عربية عريقة بتداعيات تلك الصراعات إلى درجة الشلل الجزئي، وفي بعض الأحيان الكلي، ليس جراء خلافات داخلية ذات علاقة بصلب وظائف تلك المنظمات أو المهام التي تؤديها، وإنما، وهذا مما يؤسف له، بفضل انعكاسات تلك الصراعات الخارجة عن مجالات تلك المؤسسات. فئة جديدة من المرتزقة العرب، خارجية تلك الفئة أم محلية، بدأت تتكون في رحم المجتمعات العربية، وهي مهيأة للنمو والتطور والانتشار، ما لم يتم التصدي لها ومعالجتها بشكل جذري وفي هذه المرحلة المبكرة من بروزها، ماذا وإلا فهي جرثومة سياسية واجتماعية خطرة، من شأنها فيما لو لم يتم استئصال جذورها، أن تكون مدمرة للبنيان السياسي / الاجتماعي العربي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا