النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

شيء من حصاد ما مضى؟!

رابط مختصر
العدد 9032 الأربعاء 1 يناير 2014 الموافق 28 صفر 1435

أجد شبها كبيرا بين الزمن وبين الماء الجاري، وأقصد هنا النهر الذي لا نملكه، ولكن لأن رحمة الله واسعة فقد خصتنا ببحرين تعويضا عن نهر واحد وبحر واحد! لكن ثمة فرق واضح جلي بين البحر والزمن ربما يلاحظه معي آخرون، إذ أن النهر ينطلق مسرعا إلى مصب ثابت ونهاية محتومة، وفي طريقه للوصول إلى تلك النهاية يمر بمراحل عمرية شأنه في ذلك شأن الكائنات الحية فيبدأ مولودا غضا للتو، أي طفلا، ثم يتحول إلى شاب فشيخ ثم يموت، إن عاجلا أو آجلا، وفي كل الحالات يكون موته باعثا الحياة للغير، ومقابل ذلك لا يمر الزمن بهذه المراحل العمرية، إذ أنه لا يشيخ وهو من ثم، فيما أعتقد، لا يفنى ولا يموت، إنه الدهر! الزمن ينطلق متجاوزا تلك المراحل العمرية. والإنسان في تفاعله معه ومع الطبيعة صار يقطّع الزمن محاولة منه لإخضاع هذه القوة الجبارة، ولكنه أدرك عبثية مسعاه فاكتفى صاغرا ورغم أنفه بمحاولة تكييف الزمن مع واقعه المعيشي، فابتدع مفاهيم اللحظة والدقيقة والساعة واليوم والأسبوع والشهر والسنة والقرن لينظم في ضوئها معاشه. الزمن، عزيزي القارئ، كتلة واحدة ومسألة موته لا أفتي فيها لأنها في طي الغيب. لكن سؤالي لك هنا هو هل تبدو بدايتي معك معقدة؟ أعتقد أن شيئا من التأمل والتفلسف يجعل الأمر يبدو كذلك، ولهذا فقد اخترت أن أسألك أيها القارئ العزيز هذا السؤال، قبل أن تطرحه عليّ: ما الذي أريد قوله مما تقدم؟ فتعال صديقي نتحادث. لا أخفيك أن ما طرح عندي مسألة الزمن والتفكير فيها مناسبة الاحتفالات بـ»الكريسماس» وبرأس السنة. فهذه المسألة جعلتني أتذكر أنه من عادتنا السنوية الثابتة في مثل هذا اليوم الأول من يناير من كل عام أن نعيد كلاما قد قلناه ونحن نودع الأعوام السابقة التي صارت نسيا منسيا، فأصيخوا السمع وسوف تستمعون من حولكم من يقول: «والله هذه السنة ما عاقت خلصت»، ولاحظوا كلمة «عاقت» العامية البحرينية أي بمعنى لم يعقها شيء فانقضت بسرعة. فيما الذي نحن بحاجة إليه في مثل هذا اليوم من كل عام، وبشكل ملح منذ أزمان، هو وقفة مع النفس لتقييم وتقويم ما جرى في لجة بحر الأيام الـ365 المتلاطمة المتلاحقة التي لا أعتقد أنها مرت مسرعة كما نتصور. الزمن واحد لكل الناس في العالم، لكن الثلاث سنوات الأخيرة التي تجاوزنا متاعبها بأثمان باهظة قد مرت بأقل ما يمكن من التباطؤ وبأشد ما يكون من التثاقل. فلم ذلك يا ترى؟ في اعتقادي أنه بالعودة إلى شريط الأحزان المطبوع في ذاكرة أبناء هذا الوطن، واستعادة وقائع الأحداث الجسيمة المتواصلة على مدى الفترة الممتدة من الرابع عشر من فبراير 2011 حتى اليوم يمكننا تلمس النتائج ظاهرة في كل مفصل من مفاصل الدولة أوجاعا. غير أن من افتعل هذه الأوجاع لا يعيرها انتباها بل إنه مازال يواصل افتعالها. لقد تبلد إحساسه وانشلت إرادته انتظارا لإشارة قد تأتي أو لا تأتي ممن ربط إرادته به. ولهذا فإننا حيال معضلة وطنية حقيقية لا بد أن نجد لها مخرجا، ونحن نستطيع ذلك. فهل يكون الحل والمخرج من خلال قيام الجمعيات الخمس بمراجعة مواقفها تجاه الدولة والنظام السياسي وقطع كافة العلاقات مع الجمعيات الإرهابية غير المرخصة ورفع الغطاء السياسي عنها والبحث عن حل وطني من خلال العودة إلى طاولة الحوار من دون شروط؟ هذا خيار. أم هل يكون بتشديد القبضة الأمنية، وتعزيز التدابير من خلال التفعيل الأمثل للتوصيات التي استصدرها الشعب عبر مجلسه الوطني، خاصة وأن الأمن ضرورة للتحرك من أجل الاستقرار والبناء؟ وهذا خيار آخر أيضا. شخصيا أرى أن هذه المرحلة لا تفرض علينا إلا هذين التصورين، ولا أرى في الأفق حلا ثالثا متوافرا بعد وفقا لمعطيات الحالة السياسية المحلية والإقليمية الراهنة. لقد فعل الزمن فعله فينا وسعى بمعاول إلى هدم صروح المجد، وإلى تفكيك هياكل الدولة بشتى الطرائق والأساليب، وجعلنا نتوقف عند ظاهرة ينبغي علينا التفكر فيها مليا وتتمثل هذه الظاهرة في هشاشة التمثلية النيابية في البرلمان الحالي والسابق، إذ سارت رياح الانتخابات وفقا لأهواء طائفية تحكم فيها الإسلام السياسي بشكل مُفزع لتغيب بذلك معايير الكفاءة والالتزام بخدمة قضايا البلاد والعباد. علينا عزيزي القارئ ونحن نعمل على دعم صرح الديمقراطية التي أرسى قواعدها جلالة الملك حمد حفظه الله ورعاه أن نبحث عن وسائل وأدوات من أجل تطوير المجلس النيابي المنتخب، وأعتقد أن حس المواطنة هو الآلية الأبقى والأصلح والأكثر نجاعة وفاعلية. فها هي عزيزي القارئ الانتخابات التشريعية تطرق الأبواب لتنادي المواطنين كي يكونوا على الموعد لتجديد رغبتهم في بناء البحرين الأجمل، ولبناء الإنسان الأفضل وعيا والأكثر رفاهية. الأمور كلها بيدك أيها المواطن الأمين على مصلحتك ومصلحة وطنك والداعم لنظامك السياسي، فلا تبخل على نفسك إعطائها ما تستحقه. قد تسألني: ما المطلوب مني فعله فأقول لك: ما عليك إلا أن تعرف كيف تتدبر أمرك من خلال تقييم اختياراتك السابقة، وتقويمها ليكون الاختيار محسوبا بالمسطرة، إذ ينبغي أن تكون الكفاءة هي معيارك والولاء لهذا البلد والنظام السياسي هما المحك. لقد فرض استعراض حصاد هذه الأعوام واستقراء أبعادها أن نتبين أن في تبدل القناعات التي يفرضها التغيير أحيانا والتغيير في أحايين ما جعل سؤالا يساريا بحرينيا يطرح نفسه، ما الذي دهى اليسار البحريني بعد أن كان يقود فأضحى يقاد؟ ما باله بعد أن كان أمميا بات طائفيا؟ ما باله حنط أطروحاته فغدا بدوره سلفيا منغلقا على ذاته؟ عديدة هي الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها المواطن، ما يعني تنبيه أساقفة اليسار وأئمته إلى أن من الفروسية أن تقول إننا أخطأنا خاصة وأن الخطأ واضح جدا، ولن تلغيه مقالات بائسة تتحدث عن سلوكيات شخصية ليست محل طرح. لقد عرت الأحداث التي شهدتها البحرين سوأة يسار ضيع على نفسه فرصة تاريخية ليكون عنوانا لخط مدني مواطني وطني يساهم في زرع عقيدة المواطنة والتمثيل للأصلح والأكفأ، إذ سقط عنه قناع التقدمية ليرتد إلى منطق عشائري طائفي بائس كان هو الحقيقة المسكوت عنها في سلوك الكهنوت اليساري. عزيزي المواطن، المحب لوطنك والمحب لشعبك ونظامك السياسي، كنت ما كنت من معتنقي الأفكار، إخوانيا كنت، أو يساريا، قوميا أنت أو لا منتميا، اغرف شيئا من ماء تسامح بحريننا وأدلقه على الزمن المحصور بين فبراير 2011 ويناير 2014؛ لنساهم معا في تبريد واقعنا الذي يكاد يحترق. عزيزي المواطن ساهم بما استطعت كي نحافظ على تآلفنا ومحبتنا اللذين صرف آباؤنا كثيرا في بنائه، فهل يسهل عليك هدم إرث الآباء والأجداد؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا