النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

التسامح يرعى الاختلاف!!

رابط مختصر
العدد 9004 الأربعاء 04 ديسمبر 2013 الموافق 30 محرم 1435

إذا كان الاختلاف هو النتيجة المنطقية للتعددية والتنوع، فإن التسامح هو غذاؤهما معا، وهو السقيا التي من دونها يتحول كل من التعددية والتنوع إلى زرع عوده يابس يسيرٌ كسرُه. ومن هذه الرؤية فإن التسامح يغذي التعددية ويصون التنوع ويرعى الاختلاف. وأحسب أن أشد ما يحتاجه مجتمعنا البحريني اليوم هو توسيع هامش التسامح بين مكوناته لنتأهب إلى الانتقال من بؤس المكان الذي وضعنا أنفسنا فيه منذ ما يقارب الثلاثة أعوام إلى المنطقة التي تجمعنا. ولهذا أجد أن الكتابة في موضوع التسامح سانحة لمخاطبة المختلفين من أبناء هذا الشعب الأبي. إذن أقول إنه في اعتقادي، أن هناك علاقة شديدة بين التنوع بأبعاده الإنسانية والعرقية والجنسية والفكرية، كوضع طبيعي للوجود المادي بتلامسه مع حقائق الواقع وحرارة أنفاسه، والاختلاف من حيث هو نزعة إنسانية تنشد الكمال وبلوغ الحقيقة من مداخل متعددة؛ إذ يستحيل قبول التنوع من دون التسليم بالاختلاف والإقرار بالتعددية؛ ذلك أن الاختلاف هو نتيجة طبيعية للتنوع، وقبوله والرضا به هو أحد أوجه نجاح الديمقراطية. ولضبط العلاقة بين التنوع والاختلاف، فإن رابطة أخرى ينبغي استلالها من جدلية تلك العلاقة؛ لإيجاد صيغة إنسانية تؤلف بين المتناقضات، وبهذه الصيغة أعني التسامح، تلك المفردة القادرة على حمل مجتمعنا البحريني على تجاوز صعوبات المرحلة السوداء في تاريخه والانتقال السلمي لفضاء الديمقراطية عبر الحوار بصفته الصيغة الأمثل لحل المشكلات، ولذا وجب تعميم ثقافة الحوار في كل مناحي الحياة. إن التنوع والاختلاف لا يستقيمان في المشهد الإنساني إلا مع تكرس التسامح قيمة إنسانية أساسية، يرتجع أمر غرسها وضرورة سيادتها إلى وزارة التربية والتعليم التي يقع عليها عبء إعادة قراءة المناهج من حيث الأهداف والمحتوى وأساليب التدريس والتقويم، وفق ما يتطلبه المشروع الإصلاحي لجلالة الملك في لحظته الأهم في تاريخ البحرين الحديث والمعاصر وخصوصا بعد أحداث الرابع عشر من فبراير 2011، وهذا هو ما تعكف عليه الوزارة وتعمل في سبيله متابعة في ذلك مسارات عمليات التطوير الشامل التي نهضت بها الوزارة مذ أدركت البحرين في التعليم مستقبلا لها. والدور نفسه ينبغي أن تقوم به باقي مؤسسات الحكومة الأخرى إعلامية كانت أو شبابية هذا دون التغافل عن مؤسسات المجتمع المدني التي عليها مجتمعة أن تتموضع في سياق التغيرات الكبرى التي يشهدها عالمنا اليوم وواقعنا الإقليمي والمحلي؛ فعليها أن تدرس خصائص هذا السياق لتعدل مسارات سياساتها وخطاباتها وأدوارها وتعيد النظر في إرثنا الشعبي المشترك الناضح تسامحا وتعايشا وتآزرا وإيمانا ببحرين واحدة ومتنوعة في آن، فتوظف مستخلص عموم الثقافة الشعبية على ما رحبت به من موروث شفاهي ومحكي، لتستثمر ما فيه من خزين متدفق لا ينضب من المعارف والخبرات التي تورد التسامح قيمة متناقلة جيلا بعد جيل أسهمت في وضع عتبات الأمان ليجتاز الآباء والأجداد مراحل ما كان لها أن تتم من فرط قسوتها. إن التنوع سمة دالة على الثراء الفكري ومجال ثري لخلق ثقافة متميزة، والتاريخ يعطي أمثلته الساطعة وأدلته الدامغة في هذا الإطار. وليست الحضارة الإسلامية إلا الأقرب مثالا والأكثر إرضاء وقبولاً في الوعي العربي الإسلامي، وإن كانت الأبعد فيما يتعلق بامتثالها لمعطيات إيجابية قوامها تشبث المنتسبين إليها بعناصر القوة فيها؛ إذ أن ما يثير التوجس حقيقة ويبعث على القلق تمسك البعض بمعطيات من الحضارة الإسلامية مختلف عليها وفيها، ومحاولتهم بعثها من جديد حتى وإن كانت لا تستقيم مع منطق التطور ولا حتى هي وجه من وجوه السماحة الإسلامية التي احتوت أمما تفاوتت في سلم رقيها الحضاري. وهذا «البعض» وجد في تسييس الإسلام مطية ذلولا وسبيلا لإغراء العوام وشيء من النخب لتحقيق أجندات سياسوية حين نتصفح تجلياتها خطابا وممارسة ندركها أبعد ما يكون عن بنيان التآلف والتضامن والمواطنة الذي نجح البحرينيون في إعلائه جيلا بعد جيل بإسمنت التسامح ونبض القلوب التي تعزف في إيقاع واحد لحن البحرين الحية الأبية المنيعة أبد الدهر بأبنائها البررة وبآل خليفة الكرام. إن التنوع الثقافي والزخم الحضاري الذي تحركت فيه الحضارة الإسلامية، معطية آخذة، قد منحها قديما أفضلية بين أمم الأرض في العلوم والثقافة بمختلف تجلياتها؛ إذ ما من أمة حبست ذاتها في إطار محيطها الثقافي والإيكولوجي تحت شعارات عنصرية متعالية مثل المحافظة على العرق والنوع، أو بدواعي الخوف على الثوابت والقيم، تحت حس متوهم بأنها في مرمى مؤامرات الغير ومستهدفة بالكراهية من بين أمم الأرض، إلا وكانت الخيبة عنوانا لمنجزها، وبالتالي كان مآلها الضمور والتلاشي في بحر من أوهام الفرادة والخصوصية. ولعل القارئ الكريم يستنتج مما سبق أن ثمة من يتقصد ثقافتنا وانفتاحنا وتنوعنا بالإساءة باعتبار أن ذلك التنوع والانفتاح نكوص عن الخط العام الذي يرسمه البعض باللون الواحد وعلى الكل الالتزام به والانقياد لباهت نوره ومجهولات نهاياته. فإذا ما اتفقنا على أن الاختلاف سليل التنوع ينبغي قبوله، فإننا، بالتأكيد، سنتفق على أن التنوع هو حاصل موضوعي للتعدد الإثني والعرقي وبالتالي الثقافي. تلزمنا ضرورة العيش المشترك على أن نقبل ببعضنا البعض. وفي هذا الإطار فإن الاختلاف بالضرورة ناجم عن مواقف ومرتكزات فكرية وأيديلوجية وفلسفية متباينة دفعت بها الحياة من واقع متغيراتها، وبالتالي فهو إفراز دال على حيوية وديناميكية المجتمع الذي قد رفض في مسار تطوره ما يعرف بالواحدة الثقافية سمةِ الأنظمة الشمولية والثيوقراطية وأكسجين استمرار وجودها الذي عادة ما ترتهن له وتختبئ في دامس ظلامية نفقه القيم المجتمعية المراد تعزيزها وسيادتها. والمتأمل في الواقع الثقافي في المجتمع البحريني يرى عجبا، إذ الفضاء مفتوح لانهمار المعرفة من كل الثقافات وبشتى اللغات تحمل أفكاراً متنوعة كانت البحرين على الدوام منفتحة عليها ولا تمثل جديداً إلا لكون المعرفة بذاتها متجددة، ولكنها لا تختزن في ذاتها قدرة نفي القديم، كالذي يجري مع العادات والتقاليد، ولكنها تبني على القديم جديدا؛ ذلك أنها على تماس مع حدود الحضارة وسقف الثقافة التي وصل إليها شعب ما.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا