النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11002 الجمعة 24 مايو 2019 الموافق 19 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

هل فشل الربيع العربي؟

رابط مختصر
العدد 8994 الاحد 24 نوفمبر 2013 الموافق 20 محرم 1435

إذا ما التقت مجموعة من المتابعين للشأن السياسي العربي في هذه الأيام، فأكثر احتمالات مناقشاتهم حضورا هو تقويمهم لما آلت إليه الأمور في المنطقة العربية إثر الحراك الذي ساد مجتمعاتها، وينقسم الحاضرون إلى ثلاث فرق رئيسة: فريق متشائم بالمطلق، فلا يرى فيما حدث، دون التوقف عند التفاصيل، أكثر من مؤامرة خارجية حاكت نسيجها بإتقان قوى أجنبية تتصدرها الولايات المتحدة وإسرائيل، وأحيانا يضيف لهما إيران، ومن ثم فما جرى ونتائجه، لا يمكن إلا ان تصب في طاحونة مصالح تلك القوى بشكل جامع أو منفصل، الفريق الثاني يذهب إلى النقيض من ذلك ويرى أن ما جرى هو ثورة حقيقة حققت نسبة عالية من أهدافها، وما يجري اليوم من صراعات لا تعدو كونها علميات التطهير الذاتي التي تصاحب ثورات التغيير الكبرى التي لا تستوي أمورها ما لم تزيل «الأدران» التي تحاول أن تعلق بها، وبين هذين النقيضين، تبرز رؤية ثالثة أكثر تعقلا من أي منهما، وتحاول أن ترى الأمور من زاوية براغماتية، فتعتبر ما جرى استجابة طبيعية لحاجة المنطقة العربية للتغيير، والنهايات التي وصل لها ذلك الحراك، بغض النظر عن الصفة التي تلصق به، يعكس تماما موازين القوى المتصارعة في هذه المرحلة من تطور التاريخ العربي المعاصر، ويعبر بصدق عن مدى نضجها، بالمعيار الزمني، لقيادة ذلك الحراك، وتوجيه مساراته، وبالتالي جني ثماره. ومن يتمعن في رؤية الفريق الثالث، ربما يجد فيها الكثير من الموضوعية، تأسيسا على تشخيص الظواهر والعوامل التالية: 1. هبوب رياح التغيير على المنطقة العربية هو استجابة طبيعية لمسألتين: الأولى هي وصول الأنظمة العربية القائمة إلى نقطة عجزها عن الاستجابة لمتطلبات التغيير الموضوعية التي عصفت بالعالم، والتي لم يعد بفضل ثورة المعلومات والاتصالات، أن تبقي تلك الأنظمة مواطنيها، بعيدا عن تلك التأثيرات. إذا هناك حاجة موضوعية للتغيير، بعيدا عن رغبات الداخل العربي، أو الخارج الدولي الأجنبي. أما الثانية فهي توفر قوى اجتماعية، بما فيها تلك التي جرفتها قيمها العفوية، لها مصلحة مباشرة في التغيير، بعد أن صادرت تلك القوى الحاكمة نسبة عالية من حقوقها المعنوية والمادية، وسدت في وجهها كل سبل التعبير السلمي لاستعادة تلك الحقوق وممارستها على أرض الواقع. 2. تقدم قوى الإسلام السياسي الصفوف وتحويل مجرى الصراع من مساراته السياسية – الاجتماعية الرحبة، إلى أزقته الدينية – المذهبية الضيقة، هو تجسيد ملموس لموازين القوى القائمة في صفوف الجهات المنادية للتغيير. فعلى امتداد العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين، محورت الأنظمة العربية الحاكمة صراعاتها مع قوى التغيير المدنية من أحزاب وتنظيمات، وتحالفت لخوض ذلك الصراع مع العديد من قوى الإسلام السياسي، ونجحت هذه الأخيرة في تجيير تلك الهدنة النسبية بينها وبين الأنظمة، من أجل إعادة بناء نفسها على المستويين الداخلي التنظيمي، والخارجي السياسي. هذا الهدوء النسبي المؤقت أتاح لها أن تكون في مقدمة من استجابوا لرياح التغيير الموضوعي، وجني ثمار ذلك الحراك الذي صاحبه. 3. عدم نضج المجتمعات العربية إلى المستوى المطلوب الذي يؤهلها للأخذ بيد ما أفرزته رياح حراك التغيير العربي من عناصر إلى نهاية الشوط، وتحقيق النصر المطلوب، فوجدناها تتعثر في منتصف الطريق تحت ضربات عوامل التخلف التي ما تزال تضرب أطنابها عميقا في جذور المكونات الاجتماعية للبلاد العربية. هذا المزيج من عوامل التخلف الطائفي، والتخندق القبلي، والتشظي الفئوي، والولاء المناطقي، حال دون استمرار الحراك كي ينجز مهامه التي طالما حلمت بها قوى التغيير المدني العربية، ويفسر في الوقت ذاته قدرة قوى الإسلام السياسي على الاستفادة من هذه الحالة المتعثرة لتحويل مجرى الصراع بما يخدم أهدافها هي، بدلا من قيادته نحو ما يحتاجه المجتمع. 4. تدخل القوى الخارجية، بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال مؤسساتها الرسمية أو تلك التي تربطها بها علاقات تاريخية تؤهلها لتسييرها بما يخدم أهداف تلك القوى في المكان الأول، كي تؤجج الصراع، مع الحرص على ألا تصل نيرانه إلى المساحات التي تمس مصالح تلك القوى، أو أن تخل بمقاييس تحالفاتها مع الأنظمة القائمة. جاءت محصلة تفاعل ذلك العامل الأجنبي مع تلك العوامل الداخلية هذه الحالة التي وصل اليها حراك التغيير العربي، الذي شاء ت القوى التي قادته أم رفضت، الذي قاد مجددا إلى افساح الطريق مجددا أمام الأطراف الأجنبية كي تعيد تنظيم صفوفها، والانقضاض على ذلك الحراك وتوجيهه، قدر المستطاع نحو ما يخدم مصالحها، بغض النظر عن مصالح القوى المحلية التي انبرت لتحقيق ذلك التغيير. تأسيسا على كل ذلك، فمن الخطأ الخروج باستنتاج يقول بفشل الربيع العربي، ومن الخطأ أيضا الوصول إلى استنتاج يحسم بالمطلق نجاحه في تحقيق الأهداف التي انطلق من أجل نيلها. وعليه فالحالة العربية اليوم هي تجسيد صحيح لمستويات التطور الذي وصلت له المجتمعات العربية كافة: السياسية، والاجتماعية، بل وحتى الاقتصادية، ومن هنا فمن الأخطاء القاتلة القوى بأن ما تم قد ذهب سدى. حقائق التاريخ ومنطقه يقولان إن تطور المجتمعات يتم عبر مراحل وفي صورة حلقات متتابعة، كل مرحلة فيه تنجر بعض المهام، وكل حلقة منه تحقق خطوة معينة، ومحصلة ذلك تقدم، قد يبدو بطيئا وغير منظور للبعض منا لكونه لا يسير في خط مستقيم، ولا في بعد واحد، فهو ثلاثي الأبعاد حلزوني الحركة. الربيع العربي قد قال كلمته، وفرض شروطه، التي لا يمكن الاستدارة خلفا وتجاهلها، ولا اغماض العينين والتعامي عنها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا