النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

حين تضطرب القيم وتتردى المفاهيم

رابط مختصر
العدد 8987 الاحد 17 نوفمبر 2013 الموافق 13 محرم 1435

كثيراً ما يتساءل البعض منا باحثا عن الأسباب الكامنة وراء ما تشهده المنطقة العربية اليوم من ترد في الأوضاع السياسية، ويعتبر ذلك حالة غير طبيعية يصعب تفسيرها، لدرجة تراجعت فيها موجات الأمل كي تحل مكانها سحب اليأس والإحباط جراء ما آلت إليه نتائج الحراك، أو الثورات، كما تصنفها بعض الأدبيات التي تناولت تلك الأوضاع، بعد أن كف الكثيرون عن استخدام وصف «الربيع العربي». هناك من يرى في كل ما يجري على المستوى العربي ظاهرة طبيعية، حتى وإن شابتها بعض الانحرافات المتطرفة التي جرفت الأحداث العربية في هذا الاتجاه أو ذاك، معتبرا المحصلة النهائية إيجابية، وعليه فإن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، حتى وإن تأخر الأمر بعض الوقت في الوصول إلى الأهداف النهائية، مقارنا، في هذا التشخيص، بين الأوضاع العربية اليوم، وتلك التي عاشتها البلدان الأوروبية عشية الثورة الصناعية عندما أطاحت البرجوازية الأوروبية، تتقدمها طليعتها الفرنسية بالعائلات الاقطاعية، باستثناء تلك التي استجابت لمنطق التغيير وقوانينه. كانت العملية باهظة الثمن، على المستويين المادي والإنساني، لكنها كانت ضرورية للخروج من شرنقة الإقطاع إلى فضاء الرأسمالية. لكن هناك من يخالف هذا الرأي، ويرى أن ما يميز تطور المجتمعات البشرية عن سواها من الكائنات الأخرى، هو قدرتها على الاستفادة من تجارب بعضها البعض، من أجل تقليص الخسائر وكسب الوقت، وبالتالي فليس من المطلوب أن تسلك ثورات التغيير العربية الطريق ذاته التي سارت في دروبه الثورات الأوروبية، دون أن يعني ذلك حرق المراحل، أو القفز على متطلبات التغيير، أو لي ذراع قوانينها، وبالتالي فما يجري اليوم في بعض البلدان العربية من ملامح التغيير، هي التي تتناقض مع تلك القوانين التي نتحدث عنها. هذا يدفعنا إلى البحث عن ذلك السر الكامن وراء هذا التلكؤ العربي الذي أدخل المنطقة العربية فيما يشبه النفق المظلم الذي لم يعد في وسع أحد التكهن بمتى الوصول إلى فوهة الخروج منه. نظرة أكثر اقتراباً من الأوضاع العربية، ومحاولة قراءتها بشيء من التجرد الموضوعي البعيد عن الاسقاطات التاريخية أو حتى الذاتية ستجعلنا نقترب، كي لا نقول نصل إلى كبد الحقيقة. فالسبب الحقيقي الرئيس الذي يفسر حالة التهاوي العربي نحو المجهول، هو اضطراب القيم السياسية وتردي المفاهيم الأخلاقية، وسيطرة حب الذات على سلوك من يقودون عمليات التغيير التي تشهدها المنطقة العربية اليوم. ويكفي أن نسوق بعض الأمثلة التي تدلل على صحة ما نقول. أول اضطراب للقيم، هو فهم من دعوا للتغيير لمفهوم الديمقراطية، التي حولوها من مقولة «أنا على استعداد أن ادفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك»، إلى من حقي أن أطيح برأسك ثمنا لمنعك من التعبير عن رأي يخالف رأيي. فالحرية في نظر من قادوا عمليات التغيير التي عرفتها الدول العربية متطابقة لتعريفهم لها الذي يحصرها في حقهم لممارستها وفق القيم والمقاييس التي تخدم مصالحهم، وليس تلك التي تعبر عن حق الأغلبية في التعبير عن قيمها التغييرية. وعليه، فقد أعطت تلك الفئة، بغض النظر عن النسبة التي تشكلها مجتمعيا، لنفسها الحق في تفسير المفاهيم على النحو الذي يخدم أغراضها، ضاربة عرض الحائط بالقيم الصحيحة لتلك المفاهيم التي راكمتها تجارب وتضحيات شعوب أخرى، يفترض ان نستفيد منها. حالة الاضطراب التي نتحدث عنها تكرر نفسها عند الحديث عن التعايش مع الآخر وتحاشي نفيه، حيث لم تكد قوى ما عرف باسم «الربيع العربي»، تصل إلى كراسي السلطة، حتى رأيناها وهي تنفي بشدة، ودونما أية رحمة أو حتى مساومة، كل من وضعته هي في خانة الآخر، وهي الخانة التي يقف فيها كل من لا ينتمي للفئة المنتصرة، أو قد يختلف معها، بغض النظر عن ضيق هامش هذا الاختلاف، في الرأي أو النظرة. اهتزت قيم التعايش الفكري بين الايدلوجيات، والمذاهب الفكرية المختلفة كي تأخذ مكانها سيادة اللون الفكري الواحد. ولم يقف الأمر عند حظر الممارسة السياسية ومصادرة حق التعبير، بل تطورت في اتجاه سلبي كي تصل إلى مستوى التصفيات الجسدية المباشرة والعلنية لكل من يخالف أولئك المنتصرين. كل ذلك يعود إلى اضطراب القيم وتردي المفاهيم. والأمر يتجسد بصورة فاضحة عند ما يجري الحديث عن مسألة الشفافية أو الحوكمة، فهنا يحصر الممسكون الجدد بالسلطة هاتين المسألتين في القوى المؤيدة لهم، ويحجبونها عن تلك التي تختلف معهم في الرأي، مما يعني مرة أخرى سقوط القيم واضطراب المفاهيم التي لم تعد تخضع لقوانين صحيحة يجري تطبيقها على الجميع، وإنما تسيرها نزوات أولئك الذين نجحوا في الإطاحة بالأنظمة القائمة، وتربعوا فوق كراسي السلطة. فراحوا يقعرون القيم، ويسطحون المفاهيم، كي تخدم مصالحهم هم سوية مع مصالح القوى التي أوصلتهم إلى تلك الكراسي. تأسيساً على ذلك، فليس المطلوب وقف عمليات الغوص عميقا بحثا عن الأسباب، لكن ربما تكون الخطوة الأولى على طريق إعادة قطار التغيير إلى سكته التي توصلنا معه إلى الأهداف التي بدأت عمليات التغيير من أجل نيلها، من خلال وقف أسباب ذلك الاضطراب في القيم، والكف عن الاستمرار في تشويه المفاهيم، هذا إن شاء لنا القدر أن نوقف هذا النزيف غير المبرر الذي أصبح اليوم يكلفنا الكثير، وربما يجرفنا عن المسار الصحيح، أدركنا ذلك أم لم ندركه. فعندما تضطرب القيم وتتردى المفاهيم لدى الأمم، تتحول الثورات إلى نوع من الفوضى التي لا نريد لأمتنا العربية التي تلج بحورها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا