النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

كي تنجح الحوارات الوطنية العربية

رابط مختصر
العدد 8963 الخميس 24 أكتوبر 2013 الموافق 19 ذو الحجة 1434

من تونس شمالا شرقا حتى اليمن جنوبا غربا، مرورا بمصر ودول اخرى نصبت في عواصم هذه البلدان العربية الكثير من طاولات الحوار التي كانت تبحث عن حل للأزمات المتفاقمة بين مختلف أطياف القوى السياسية، النشطة في تلك البلدان. رافقت هذا النمط من النشاط السياسي العربي، التي ما يزال معظمه يراوح عند تلك المرحلة أو تلك، باحثا عن حل جذري يريح العباد وينقذ البلاد، مجموعة من السلوكيات المشتركة التي يمكن حصر الأهم بينها في الظواهر غير المجدية التالية: 1. وصول تلك الحوارات جميعا ودون أي استثناء، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، إلى طرق شبه مسدودة، بعد فشل المتحلقين حول طاولات تلك الحوارات في الاتفاق على محاور محددة، دع عنك التوافق على قضايا بديهية مثل جدول الأعمال، ومن ثم انحراف المشاركين فيها نحو قضايا ثانوية قادرة على تسخين الأجواء إلى درجة اقتراب تلك الحوارات من حالات الانفجار والتشظي. 2. تبادل الاتهامات التي بلغت في حالات كثيرة التطاول على قضايا شخصية غير سياسية تمس العناصر المتحاورة ولا تعالج البرامج التي تطرحها الجهات السياسية التي ينتمون لها. أدى ذلك أيضا إلى انحراف المتحاورين عن جادة مشروع الحوار نحو أزقة التلاسن الذي هو الآخر ينشر الأجواء الساخنة غير الصحية، ويوصل الحوار نحو حافة هاوية الانهيار. 3. فقدان الثقة بين المتحاورين، مهما أنكروا ذاك، وأصروا على نفيه، بمن فيهم أولئك الذين دخلوا إلى غرف الحوار والثقة تملئ إهابهم. وليس أدل على ذلك من استعانة الجميع، دون أي استثناء، بمنظمات دولية، التي يسبل عليها، عند الاضطرار، الصبغة الوطنية لترويجها. أدى ذلك، اعترف المتحاورون أم أنكروا، إلى الزج بطاولة الحوار ومن ثم موضوعاته في متاهات ليست من صلب الأسباب التي دعت إليه، إلى جانب فتح الباب أمام تلك القوى الخارجية كي تسمم الأجواء بأجندات تلك القوى، مما يؤدي إلى الأخذ بيد الحوار نحو نهايات مسدودة بدلا من فتح أبوابه على طرق ناجحة. 4. تفشي موجة احباط وتشاؤم في صفوف مواطني الدول التي عرفت مثل تلك الحوارات، باحتمال نجاحها، وانصراف أولئك المواطنين عنها، بل وحتى مجرد متابعة وقائعها والنتائج المتوخاة من ورائها، وتنامي هذه الظاهرة حتى بلغت درجة الاستخفاف بتلك الحوارات، وفي حالات كثيرة، وهو أمر مؤسف، الإمعان في تسفيهها، الأمر الذي صرف المواطن عن المشاركة فيها، وحصرها في دوائر ضيقة مما ينذر بمستقبل أسود يتربص بها، وبأي نتائج يمكن أن تتمخض عنها. لم تكن الصدفة وحدها هي التي قادت إلى تلك الحالة السياسية البائسة التي باتت سمة لواقع تلك البلاد العربية التي عرفت تلك الحوارات، بل هي ظواهر طبيعية ومنطقية تعود في الكثير منها إلى مجموعة من الأسباب من بين الأكثر أهمية بينها التالية: 1. تدني الوعي الحضاري / السياسي العربي الذي لم يرق بعد إلى المستوى الذي يؤمن الحدود الدنيا الضرورية الذي يأخذ بالحوار، وليس السبل الأخرى، وسيلة للتوفيق بين الأطراف المتنازعة، وقناة لوضع حد للتباين في آرائها. فرقي الوعي يقود نحو الحلول، او ردم هوة الخلافات، بدلا من اشعال نيرانها أو تأجيج العناصر التي تقود نحو ذلك الاشعال. وفي السياق ذاته، يقود تطور ذلك الوعي، المتحاورين نحو التركيز على القضايا الكبرى المصيرية الاستراتيجية بدلا من الغرق في تلك الثانوية، وربما الهامشية، وهو ما يزرع بذرة الخلافات ويخلق الأجواء المسممة التي من شأنها إفشال الحوار، وإيصاله نحو الطرق المسدودة التي تطيل من أمده، وتشوه جدول أعماله، وتشل حركة المشاركين فيه. 2. الافتقاد إلى الجهة أو التحالف السياسي الذي يضم مجموعة منها القادرة على قيادة طاولة الحوار من خلال برنامج وطني منطقي قابل للتطبيق. غياب مثل هذه القوة القائدة يجرد الحوار من المجموعة الريادية القادرة على البروز عند المنعطفات الحادة وإعادة الحوار نحو طريقه الأساسية الصحيحة بدلا من ضياعه في تعرجات الأزقة المرهقة المتوهة. بطبيعة الحال وجود هذه القوة مصدره اعتراف الأطراف الأخرى المشاركة في الحوار بتلك المكانة التي يفترض أن تتبوأها تلك الجهة، التي من الخطأ أن تحاول أن تفرض مكانتها على الآخرين، بل تنتزعها برضى منهم. مثل هذا الاعتراف المتبادل بين القوى المشاركة في أي حوار غالبا ما يمارس دور المهدئات التي تحول دون انفجار تلك الحوارات بعد زرع الثقة في صفوف من يشارك فيها. 3. وجود بعض القوى الصغيرة في حضورها السياسي، لكنها المتطرفة في مواقفها، والتي من غير المستبعد أن تكون، في حالات متكررة، مدعومة ومدفوعة بقوى خارجية، الأمر الذي من شأنه إشاعة الأجواء غير الصحية وغير الملائمة التي من الطبيعي أن يؤدي سلوكها إلى سد الطرق التي يبحث عنها المتحاورون الجادون والباحثون عن تلك الحلول المنطقية القابلة للتطبيق القادرة على إنجاح الحوار. مثل هذه القوى القزمة حضورا وذات الصوت الأعلى قادرة أكثر من سواها على تسميم أجواء الحوار، ورفع درجة حرارته قبل أن توصله إلى الطرق المسدودة الت تحول دون نجاح أعماله. ما ينذر بتفاقم أوضاع تلك الحوارات ومن ثم فشلها، هو تفاعل تلك الظواهر مع تلك الأسباب وتبادل مواقعها، فما هو ظاهرة يتحول إلى سبب، والعكس صحيح ايضا، ومحصلة ذلك النهائية فشل القوى السياسية المجتمعية المؤهلة للتغيير في أداء دورها الريادي القادر على إحداث النقلة النوعية التي يحتاجها أي مجتمع في عملية التحول التي تنقله من محطة إلى محطة أخرى على طريق تطوره نحو الأفضل. وما لم يقض على تلك الأسباب، ويتم استئصال تلك الظواهر، يصعب القول بنجاح أية حوارات عربية قائمة أو مستقبلية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا