النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11002 الجمعة 24 مايو 2019 الموافق 19 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

الفقاعة الإيرانية؟

رابط مختصر
العدد 8959 الأحد 20 أكتوبر 2013 الموافق 15 ذو الحجة 1434

في وسط العاصمة اللبنانية بيروت، ضمتني في مقهى «الهورس شو»، الذي أصبح اليوم يعرف باسم «سيتي كافيه» جلسة حوار مع زملاء المهنة المتعبة «الصحافة». لم يتجاوز عمر تبادل التحيات والاستفسار عن الأحوال سوى دقائق معدودات، قبل أن ينتقل الحوار إلى الوضع العربي الراهن بما يحمله من حوادث لاإنسانية مؤلمة تمزق الأحشاء، تخفي وراءها صور مشروعات تنذر بمستقبل مظلم يتربص بالمنطقة العربية، ويهدد بتهاوي أعمدة أبنيتها الاجتماعية. المثير في تلك النقاشات أنها كانت تنتهي، ودون أي استثناء لأي منها نحو باقة من التساؤلات تصب في إناء استفسار واحد، مهما اختلفت صياغاته: ما هو الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وما هو مستقبله، وما الذي ستؤول إليه مشروعات طهران في نهاية المطاف؟ تشعبت الاجتهادات، وتعددت وجهات النظر بين من حاول أن يربط، بفعل عوامل موضوعية وليست تنسيقية، بين المشروعات الإيرانية تجاه المنطقة، وبين تلك التي تحيكها الدوائر الغربية، وفي المقدمة منها تلك التي تخدم المصالح الأمريكية، في حين ذهب البعض الأخر إلى ما هو أبعد من ذلك، مؤكدا أن هناك مشروعا إيرانيا إقليميا يرتكز أساسا على تقسيم المنطقة العربية، من خلال تحويلها إلى جزر سياسية متناثرة غير قادرة على مواجهة ذلك المشروع الإيراني بما يضمن لطهران التفوق الذي يبيح لها مخاطبة تلك الدوائر الغربية من موقع متقدم يضمن لها، أي طهران، أن تكون طرفا أساسيا في المشروعات الغربية بدلا من أن تتلقاها وتخضع لها. برز بين ثنايا تلك النقاشات سؤال في غاية الأهمية يقول: لماذا نسقط احتمال كون الظاهرة الإيرانية فقاعة مثيرة للاهتمام لكنها مؤقتة وقابلة للاحتواء، ومن ثم فصورتها أصغر بكثير مما يراها البعض منا، وعمرها الزمني لن يكون طويلا كما قد يتوهم البعض الآخر، ونهاياتها لن تخرج عن إطار تجربتين مشابهتين لها، مع الأخذ في عين الاعتبار الاختلافات كافة، هما الناصرية، نسبة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، والصدامية، نسبة إلى الرئيس العراقي صدام حسين في نهاية القرن ذاته. جوهر المقارنة، ما أثارته الأولى الناصرية، تماما كما تقوم طهران اليوم، دون إغفال الاختلافات بين الظاهرتين، هو وقوفها، الإعلامي في أكثر التحليلات محافظة، في وجه المشروعات الغربية من خلال تشجيع، أو التحالف مع، القوى المناهضة للقوى الحاكمة في البلدان الحليفة للدوائر الغربية، وبطبيعة الحال أيضا مع تلك المناهضة لمشروعات الغرب. والدليل على ذلك، من وجهة نظر من تبنى المقاربة بين الظاهرتين، الدور الذي مارسته وما تزال تمارسه إيران في سوريا، وقبلها في العراق، وعلى نحو مواز في اليمن، دون أن نستبعد البحرين. تفاصيل الدور مختلفة، ودرجة التدخل متباينة، لكنها جميعا تشترك في حمل بصمات التدخل الإيراني المعلن السافر أحيانا، والمبطن المتخفي أحيانا أخرى، في شؤون تلك البلدان، الأمر الذي من شأنه، تماما كما كانت عليه الظاهرة الناصرية، إرغام الغرب على تقويم طهران على أنها الرقم الصعب في معادلة أي مشروع شرق أوسطي تخطط له تلك الدوائر. أما بالنسبة للمقاربة مع الظاهرة الصدامية، فجوهرها يرتكز على قائمتين رئيستين، أولهما المشروع النووي الإيراني، ومقابله ذلك العراقي، وثانيهما التدخل في شؤون دول الجوار، تماما كما فعل صدام عندما لم يتردد في اتخاذ قرار مغامرة غزو الكويت، ومرة أخرى هنا، ينبغي تجاوز تفاصيل الاختلافات بين الظاهرتين والتركيز على جوهر المقارنة لا شكليتها. منطق المقاربة يقول، أن عمر ممارسة إيران لهذا الدور قصير، ومن ثم فهي لن تعدو ان تكون، تماما كما شاهدنا في التجربتين: الناصرية والصدامية، فقاعة مؤقتة، طال زمن احتفاظها بشكلها أم قصر، لا بد لها من أن تنفجر وتتلاشى، بغض النظر عن التأثيرات التي ربما يتركها وراءه ذلك الانفجار. انبرى من بين الجالسين أحد المتحدثين الذي وافق على عدم الدخول في تفاصيل الاختلافات، وأصر على التوقف عند الجوهر وخاصة عند التجربة الناصرية، مشيرا إلى أنه بينما كان خروج التجربة الناصرية من رحم المجتمع العربي بحكم انتماءاتها العرقية العربية، وجذورها الإسلامية السنية، نجد أن طهران تقف في الطرف النقيض من ذلك تماما، حيث تحكم علاقاتها مع دول جوارها العربي خلافات تاريخية متأصلة تنبع من الاختلاف العرقي، والتباين المذهبي، ومن ثم فهي، بغض النظر عن بعض النجاحات التي تحققها في هذه المنطقة العربية أو تلك، لكن مثل تلك الانتصارات، لا تعدو أن تكون مؤقتة، كونها تحمل في أحشائها التناحر التاريخي، العرقي أولا والمذهبي ثانيا. وعل هذا الأساس، وبغض النظر عن كون الظاهرة الإيرانية فقاعة مؤقتة، أم حالة مستمرة، لكنها، حتى وإن تأخر زمن انفجارها، فهي لا يمكن أن تتحول إلى ظاهرة مشابهة للحالة الناصرية التي قادت مرحلة مهمة من مراحل تطور المجتمعات العربية، وهي مرحلة كنس الاستعمار التقليدي من المنطقة، بشقيه الفرنسي في شمال افريقيا والبريطاني في سائر الدول العربية الأخرى. ومن ثم فأي من القوى العربية السياسية التي تربط مستقبلها السياسي والمشروع الإيراني، هي قوى مناهضة لمنطق التاريخ والسيرورة الطبيعية لتطور قواه الاجتماعية الفاعلة بشكل ايجابي في عملية التطور تلك. من هنا، ربما آن الأوان كي تعيد تلك القوى العربية حساباتها بشكل صحيح إن هي أرادت ان تسير في مقدمة التاريخ، لا أن تلهث متعثرة في اقتفاء أثره، وبالتالي ربما بعيدا عن كون إيران فقاعة مؤقتة أم ظاهرة مستمرة، يبقى هناك الكثير من هوامش التناقض بينها وبين أي مشروع قومي عربي، دون ان يعني ذلك معاداة إيران أو مناكفتها، لكن التوافق معها بما يحمي المشروع العربي من أطماعها، ويؤسس لعلاقات ندية متكافئة بين الطرفين. هذا إذا أريد لهذه العلاقة أن تستمر وأن تؤتي أكلا طيبة لا فاسدة. ليس المطلوب التناحر مع إيران، لكن بالمنطق ذاته من الخطأ الوقوع أسرى في دائرة مشروعاتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا