النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

الفوضى السياسية العربية

رابط مختصر
العدد 8956 الخميس 17 أكتوبر 2013 الموافق 12 ذو الحجة 1434

يقف الكثير منا مستغربا من حالة الفوضى السياسية التي تجتاح المنطقة العربية منذ ما يقارب من ثلاث سنوات. ويفاجأ البعض منا عندما يشاهد انفجار الوضع في دولة عربية، فيما كانت تتهيأ شقيقة لها للدخول في حالة الفوضى التي نتحدث عنها. بدأ مسلسل الفوضى في تونس، الذي انتهى برحيل زين العابدين بن على، ولم يتوقف حتى يومنا هذا في السودان التي انظمت هي الأخرى إلى ما أصبح يعرف باسم «الربيع العربي». يتمظهر مشهد الفوضى السياسية العام للبلاد العربية، دون الحاجة للدخول في التفاصيل، في ثلاث فئات يمكن التمييز بينها وفق المواصفات التالية: تنتمي إلى الفئة الأولى تلك البلدان، مثل تونس ومصر وإلى حد بعيد ليبيا، حيث تحولت الانفجارات الشعبية من مجرد مناشدات مطلبية اجتماعية إلى احتجاجات سياسية، تطورت في مرحلة لاحقة للمطالبة بإسقاط السلطات القائمة، ونجحت في تحقيق ذلك، بفضل عوامل داخلية كرست التناغم مع اتجاه خط سير العلاقات الدولية. لكن رغم نجاح القوى الجديدة في الوصول إلى السلطة في تلك البلدان، لكنها فشلت في تثبيت أقدامها، ولم تستطع ان تلتزم بتنفيذ الوعود التي قطعتها على نفسها في مرحلة المطالبة بالتغيير، الأمر الذي أدخل مجتمعات تلك الدول في فوضى سياسية جديدة، تجسد الحالة المصرية أفضل صورها وأشدها وضوحا. وتنضوي تحت قوائم الفئة الثانية تلك التي ماتزال في المرحلة الرمادية، حيث لم تحسم فيها الأمور بشكل قاطع لصالح هذا الطرف أو ذاك، رغم وصول الصراعات فيها إلى درجة عالية ومتقدمة من الصدامات العسكرية، وفي دوائر واسعة. والحالة السورية هي النموذج الذي يعبر عن هذه الحالة، حيث ماتزال الفوضى السياسية تعم البلاد، دون نجاح أي من الفصائل المتقاتلة في رسم خط فاصل واضح يميز بين منتصر ومهزوم. ومن ثم فهناك صعوبة في تحديد معالم نظام سوري مستقر تحكمه سلطة مركزية واحدة، قادرة على لجم أي شكل من أشكال الاختلافات المتقدة في صفوفها. محصلة ذلك قوة حاكمة منهكة، وقوة معارضة غير قادرة على حسم الأمور لصالحها، ونتيجة ذلك فوضى عارمة تجتاح البلاد، وتسير أمورها. كما ذكرنا، أسطع الأمثلة على هذه الفئة هي الساحة السورية التي لا ينبئ مسار الأحداث فيها، حتى بعد تفكيك مراكز أسلحتها الكيماوية، بخروج البلاد من حالة الفوضى السياسية التي تعمها. وتتشكل عناصر الفئة الثالثة من تلك البلدان التي يمكن أن نطلق عليها صفة الفوضى النائمة، لكون الفوضى التي تتحكم في تسيير أمورها عبارة عن فوضى كامنة غير واضحة للعيان، لكنها تمسك بتلابيب ذلك البلد، وتمنعه من التقدم، او حسم الأمور بشكل قاطع. خطر الانفلات متربص بتلك البلاد مما يجعل قواه المتصارعة، في صمت، واقفة في حالة التهيؤ. الأولى، وهي الممسكة بزمام الحكم، تخشى من أية محاولات مباغتة يمكن أن تهدد سيادتها، وتهز أركان حكمها من الجذور، والثانية المتأهبة للكشف عن نفسها، تقف متوثبة تتحين الفرصة المناسبة. تتمظهر هذه الفوضى شبه المكبوتة في مبادرة القوى الحاكمة بتقديم بعض التنازلات الإصلاحية التجميلية كمهدئات تحول دون الانفجار، فترد عليها القوى المعارضة بشكل من الأشكال الاحتجاج الذي لا يرقى إلى درجة الاصطدام العنيف، ولا يتسع كي يشمل البلاد برمتها. وأكثر حالات هذه الفئة وضوحا هي الأردن والمغرب. يستغرب المواطن العربي من هذه الفوضى السياسية التي تبدو غير منطقية من وجهة نظره، وغير مقبولة من حيث رغباته. لكن تطور الشعوب وصيرورة حركتها الاجتماعية السياسية تؤكد أن هناك منطقا مبطنا يسير آلة تطور المجتمعات العربية التي تعاني من هذه الفوضى السياسية على النحو الذي وصفته الفئات الثلاث. فمن الواضح أن الخلل الي يحكم معادلة توازن القوى بين تلك التي ماتزال تحاول الإمساك بزمام الأمور بعد وصولها إلى السلطة، أو تلك التي تشعر بالأرض تميد من تحت أقدامها من جهة، وتلك التي ترفض القبول بمن وصلوا إلى السلطة، أو من كانوا فيها، لم يصل بعد إلى نقطة الانقلاب النوعي الذي يضمن سقوط الأولى وثبات الثانية. فما تزال بين يدي الفئة الأولى خيوطا بوسعها اللجوء لها عند اشتداد الأمور، تمكنها من البقاء في مواقعها، وتحول دون قدرة الفئة الثانية على زحزحتها من تلك المواقع. ومن جانب آخر لم تنجح هذه الأخيرة من استنهاض القوى الاجتماعية ذات المصلحة الحقيقة في التغيير والاستفادة منها من أجل الوصول إلى نهاية الطريق وحسم الأمور لصالحها، لأنها، أي قيادات هذه الفئة، لم تكتسب الخبرة السياسية، والمهارة النضالية التي تؤهلها لقطع هذا الشوط الطويل والقاسي بنجاح. من هنا فمن غير المستبعد أن تستمر هذه الفوضى السياسية التي تعم المنطقة العربية بشكليها السافر الكاشف عن وجهه في صدامات واضحة، والمبطن المتخفي في أشكال مختلفة لفترة ليست قصيرة زمنيا، نشهد فيها الكثير من التقلبات المفاجئة التي تفسح في المجال أمام ارتفاع بعض القوى، وترغم القوى المنافسة لها على الهبوط، دون أن نشهد حسما قاطعا يزيل المساحات الرمادية التي تنعش هذه الفوضى وتغذي عناصرها الفاعلة بالمنشطات التي تحتاجها. تبقى هناك مساحة ضيقة لقوى مختلفة مميزة عن الأطراف المتصارعة التي ما تزال كامنة، وتحتفظ بالكثير من عناصر قوتها الذاتية، وهي وحدها القادرة على إيقاف هذه الفوضى والحد من اتساع نطاقها، إن هي احسنت رص صفوفها، وتحديد برامجها، والولوج إلى الساحة السياسية بعد قراءة صحيحة لاتجاه حركتها، وتحضير مقومات النجاح القادرة، ليس على وضع حد لهذه الفوضى السياسية العربية، ولكن على الأخذ بيدها على الطريق الصحيحة أيضا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا