النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

حاجة الحوار إلى العقل والمنطق

رابط مختصر
العدد 8945 الأحد 6 أكتوبر 2013 الموافق غرة ذو الحجة 1434

العَقْلُ لغة هو «الحِجْر والنُّهى ضِدُّ الحُمْق، والجمع عُقولٌ. والعَقْلُ التَّثَبُّت في الأُمور. والعَقل أيضا: نقيض الجهل. يقال عَقَل يعقِل عَقْلا، إذا عرَفَ ما كان يجهله قبل، أو انزجَر عمّا كان يفعلُه». والمنطق في قواميس اللغة أصلها من «نَطَقَ الناطِقُ يَنْطِقُ نُطْقاً: تكلم. والمَنطِق الكلام». وقد ميز الله سبحانه وتعالى بني آدم عن سواه من المخلوقات الأخرى بخصلتي العقل، بمعنى التفكير السوي السليم، والنطق، بمعنى القدرة على التواصل مع الآخرين ومخاطبتهم جهرا بما توصل إليه عقله من قيم وأفكار باطنا. فأصبح الإنسان هو «الحيوان الناطق» او الحيوان «المفكر». ومن ثم جاء تعبير «خروج الأمور من عقالها» توصيفا لابتعادها عن سلوك من يمارسها عن الطريق السوي، وبالتالي خسارته لنسبة عالية من انسانيته. واستخدم الإنسان، دون سواه من المخلوقات الأخرى، العقل والمنطق بشكل متكامل، من أجل تنظيم حياته، سواء على المستوى الشخصي الفردي الخاص، او المجتمعي العام. فجاءت ثمرة ذلك الأعراف والقيم، وهي التي نظمت العلاقات، بشكل عفوي وبدائي في المراحل الأولى من تاريخ البشرية، بين أفراد المجتمع الواحد، لضمان سير تلك العلاقات وفق عقل سليم ومنطق صحيح. ولم تعرف تلك المجتمعات البدائية اختلالها إلا عندما يتجاوز أفرادها مقاييس القيم والأعراف التي توافقوا عليها، فتعم الفوضى، فيفقد أولئك الأفراد إنسانيتهم لأنهم جردوا أنفسهم من الخضوع للعقل أولا ففقدوا بذلك القدرة على التفكير السليم، ولم يتمكنوا من إحكام المنطق ثانيا، فلم يتمكنوا من مخاطبة بعضهم البعض بلغة إنسانية مفهومة بشكل مشترك من قبلهم. باختصار شديد فقدوا القدرة على التفكير السليم والتواصل الصحيح. فالعقل آلة التفكير الذاتي، والمنطق قناة التواصل الاجتماعي. ومع تطور المجتمعات البشرية، وتعقد العلاقات التي تنظم العلاقات بين أفرادها، وجد أولئك الأفراد، أن التفكير والمنطق، بحاجة إلى التقنين والتدوين، فكان ثمرة ذلك تحول القيم المتعارف عليها لفظا وشفاها إلى قوانين مدونة، تطورت فيما بعد كي تصبح مواثيق واتفاقيات، وارتقت كي تأخذ مستوى الدساتير. فليست الدساتير التي أصبحت تعرف باسم أم القوانين، سوى ذلك الشكل الأكثر رقيا بين تكامل التفكير الداخلي، والمنطق الخارجي. ومع تطور وسائل النقل والاتصال، تجاوزت حاجات المجتمعات الإنسانية المحلية المتفرقة، وجاءت متطلبات تداخل المجتمعات الأتية من مشارب متنوعة ليس هناك ما يجمع بينها سوى عقل أفرادها ومنطقهم. فبات لزاما على من يقود تلك التجمعات أن يعمل على تقنين العلاقات بين الأمم، وفق مفاهيم العقل، ومن خلال قنوات المنطق، فجاءت محصلة ذلك القوانين الدولية، وما تمخض عنها من اتفاقات موقعة بين أفراد ينتمون إلى أعراق مختلفة، ومن ثم يحملون فوق أجسادهم عقولا غير متجانسة، ولا يملكون قنوات تواصل منطقية محكمة. ارتقى دور العقل والمنطق من الحيز الجغرافي المناطقي الضيق، إلى المحيط الكوني المترامي الأطراف. في اختصار شديد، شكل العقل كأداة للتفكير، والمنطق كوسيلة للتواصل والتخاطب، سوية، وبشكل متكامل الرافعة التاريخية التي ميزت الإنسان عن سواه من المخلوقات الأخرى، وساعدته على التحول التدريجي من الحالة الحيوانية المنفلتة وغير المنظمة، إلى المرحلة الإنسانية المتوازنة والمستقرة، والقابلة للنمو والتطور على الأصعدة كافة، التي تضمن استمرار الإنسان في استخدام العقل كأداة للتفكير السليم، والمنطق كوسيلة للتواصل الذي يضمن تحكيم العقل، والخضوع لمنتجاته. وليس استقرار المجتمعات البشرية وتطور آليات تقدمها سوى الدليل الملموس على استخدام الإنسان لعقله السليم، ومنطقه الصحيح. لذا فإن النسبية الطردية، وليس العكسية هي التي تحكم العلاقة بين تحكيم العقل واستخدام المنطق من جهة، وتطور المجتمعات البشرية واستقرارها من جهة ثانية. وليست الحروب الداخلية بين إفراد أو جماعات المجتمع الواحد، او تلك التي تندلع بين الأمم، سوى مؤشر قوي على غياب العقل وصمت المنطق. فحينها تفقد المجتمعات البشرية انسانيتها، وتكتسب قيم وسلوكيات المخلوقات الأخرى. هذا يفسر كل البشاعات غير الإنسانية التي تواكب الحروب، بما فيها تلك الداخلية الأهلية، وتسيطر على السلوك الإنساني أثناءها، والتي ينتقل حينها من حالته الإنسانية العاقلة إلى تلك الحيوانية غير المنطقية. ولم يكن الحوار، الذي ابتدعه العقل البشري والمنطق المرافق له، سوى الوسيلة التي لجأ إليها الإنسان من أجل حماية إنسانيته، من خلال الوصول إلى حل حضاري متقدم للخلافات الناشبة بين أفراده، والتي هي الأخرى، أي الخلافات، محصلة طبيعية لمستوى التطور الذي عرفته المجتمعات البشرية التي يتناسب تطورها طرديا مع مستوى تعقد تلك الاختلافات. ومن هنا فعند ما يفشل أي حوار أو يصل إلى طريق مسدودة، فليس ذلك أكثر من مؤشر ملموس على عدم قدرة من وافقوا على أن يجرونه بينهم على الاستعانة بآليات العقل وهي التفكير الصحيح، والاستفادة من أساليب المنطق عبر القنوات الملائمة. الخطأ إذا ليس في الاختلاف، الذي ربما يكون هذا الأخير دليل قوي ملموس على صحة المجتمع الذي يلجأ أفراده إلى طاولة الحوار لحل مشكلاتهم، وإنما لعجز أولئك الذين اكتشفوا تلك الخلافات عن الوصول إلى الاستخدام الأفضل للعقل والمنطق القادرين بشكل متكامل على وضع حد لتلك الخلافات على أسس إنسانية راقية. من هنا ففي وسع من يشارك في حوار فاشل أن يسوق الكثير من التبريرات، ويرفقها بقائمة أطول من التفسيرات التي يدافع بها عن ذلك الفشل، لكنها لا تستطيع أن تصمد أمام حقيقة واحدة راسخة أن جوهر ذلك الفشل والعجز مصدره رفض الرضوخ لصوت العقل أولا، ونداء المنطق ثانيا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا