النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

دمشق عقب أخيل أوباما

رابط مختصر
العدد 8928 الخميس 19 سبتمبر 2013 الموافق 13 ذو القعدة 1434

فيما يواصل الرئيس الأمريكي باراك أوباما حملته من أجل تكتيل أكبر عدد ممكن من الحلفاء على المستويين الداخلي والخارجي كي يتسنى له توجيه ضربة عسكرية إلى دمشق، تزداد الأمور تعقيدا فيما يتعلق بإمكانية إقدام الولايات على خطوة مماثلة، وإن كانت بتفاصيل مختلفة، كتلك التي قامت بها تجاه بغداد، أو قبلها في كابول. قد يبدو الأمر بسيطا في مظهره الخارجي، فهناك الكثير من الجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد التي تبيح الإطاحة به، لكنها لم تصل إلى درجة النضج التي توفر ضدها الإجماع العالمي الذي يعطي واشنطن الضوء الأخضر لشن معركتها النهائية لإسقاط هذا النظام. لكن وقبل الدخول في تفاصيل أهم العناصر التي لاتزال تقف عقبة كأداء في وجه أوباما، لا بد من التأكيد على حقيقتين أثبتهما تاريخ تطور المجتمعات البشرية: الأولى منهما هو تجريم أي شكل من أشكال التدخل الخارجي في شؤون أي بلد، بغض النظر عن تمرغ أركانه في أوحال الفساد أو الظلم. وحدهم مواطنو ذلك البلد مسؤولون بشكل مباشر عن حل مشكلتهم مع أجهزته. هذا ما تؤكده المواثيق العالمية والإقليمية التي أجمع عليها المجتمع الدولي، وصاغها من أجل ضمان البيئة الصحية السليمة التي تساعد المجتمعات الإنسانية على تطوير نفسها وفق قوانين راسخة لم يعد هناك مجال لمناقشتها أو حتى للتشكيك في ملاءمتها لسلوك المجتمعات وتقدمها. هذه الحقيقة الساطعة تفسر تردي الأوضاع في كل من العراق وقبلها أفغانستان التي فشلت واشنطن، وسبقتها موسكو في كابول، في فرض نظام من الخارج، لا تستطيع آلياته أن تواصل فعلها في التأسيس لمجتمع مستقر قادر على التقدم، وفق قدراته الذاتية، نحو الأمام. الثانية هي ان ذلك النظام المعوج الذي تشكل بمساعدة تدخل عناصر خارجية يولد تلقائيا، وبشكل لا إرادي، عناصر عدم الاستقرار التي لا تعود محصورة في دائرة حدوده السياسية، بل يصدرها للدول المحيطة له، الأمر الذي يمهد الطريق أمام بيئة تكاثرية من الفوضى السلبية التي تمارس دورا تخريبيا في صلب بنية الاستقرار الإقليمي، مما يقود إلى حروب إقليمية داخلية، إفرازها الطبيعي الوحيد هو فتح الباب على مصراعيه أمام تدخل قوى أجنبية، ربما تكون مختلفة عن تلك التي أشعلت نار عدم الاستقرار عندما تدخلت بشكل قسري -تماما كما يخطط أوباما اليوم- وضد منطق التاريخ، في المراحل الأولى. ولعل تأسيس الكيان الصهيوني هو أحد العلامات الفارقة المنافية لقوانين التطور الطبيعي للمجتمعات التي تؤكد هذه الحقيقة التي نتحدث عنها. لكن أي من تلك الحقيقتين لا تردان في ذهن الرئيس الأمريكي وهو يواصل حملته المسعورة من أجل تشكيل جبهته السياسية قبل العسكرية لغزو سوريا، ولذلك يغيب عن باله احتمال ان تكون الحرب التي يشنها بمثابة كعب أخيل الذي ربما يقود إلى تدمير الكثير من عناصر القوة التي يمسكها بها اليوم بين يديه، ويؤدي إلى إضعاف القوة الأمريكية بدرجة تفوق تلك التي يمكن ان يتصورها أوباما. فأخيل، كما جاء في الأسطورة الإغريقية هو أحد أبطال اليونان أثناء حربهم ضد طروادة. وكما تقول الأسطورة، فقد تنبأ العرافون، عند ولادته انه سيلقى حتفه بسهم يخترق جسده. ولكي تحميه والدته من سم السهم المتوقع، سارعت إلى تغطيس جسده في النهر المقدس، وغاب عن بالها حينها انها نسيت أنها لم تغمس كعبه التي كانت ممسكة بها وهي تغسل بدنه. كانت الكعب اليسرى، كما تقول الأسطورة هي التي نفذ منها السهم كي يلقى أخيل حتفه. دمشق ربما تكون كعب واشنطن، التي نسي أوباما، وهو يحاول ان يجمع قواته التي تضمن له التأييد العالمي، الذي يوفره له الغطاء السياسي، والقدرة العسكرية لشن حملته ضد سوريا، التي تخترق صفوف تلك الجبهة وتؤدي إلى هزيمتها. هناك أسباب كثيرة يمكن سردها تؤكد ان يكون لدمشق القول الفصل في إعلان هزيمة واشنطن، أو بالأحرى بدء تدهور الامبراطورية الأمريكية. ليس بفضل تفوق سوريا العسكري، ولا جراء تماسك جبهتها الداخلية، فمن الناحية العملية، فقد النظام نسبة عالية من شرعيته أولا، وأوصال مؤسساته، بما فيها العسكرية شبه ممزقة ثانيا، لكن يبقى هناك عنصر واحد هو الذي يعتمد عليه نظام بشار الأسد، وهو موازين القوى الإقليمية. فحتى هذه اللحظة، هناك قوتان إقليميتان، ربما تكونان على خصام دائم، وهناك تضارب في مصالحهما الذاتية، كل على حدة، تتقاطع مصالحهما موضوعيا أزاء نظام الأسد، وهما: إيران وإسرائيل، فليس من مصلحة أي منهما في هذه المرحلة سقوط نظام بشار الأسد، للأسباب التالية: من وجهة نظر تل أبيب، العدو الذي تعرفه، وتعودت على التعامل معه، أفضل نسبيا من قادم مجهول غير مضمونة سياسته الخارجية تجاه إسرائيل، ومن ثم فقد يجر هذه الأخيرة إلى معارك ليست هي الآن مؤهلة لخوضها. ومن ثم فمن الأنسب لـ «تل أبيب» ان تبقى الجبهة السورية على النحو التي هي منذ ما يقارب النصف قرن. أما بالنسبة لإيران، فهي الأخرى ستفقد، في حال سقوط نظام بشار الأسد، حليفا استراتيجيا في المنطقة، يصعب تعويضه، بل ربما لا تسمح الظروف الناشئة إثر ذهابه بخلق بديل قريب منه. ومن ثم فلن تسمح إيران أن تقترب من حدود جبهتها الإقليمية قوى جديدة غير معروف الهوية، ويصعب التكهن بسياساتها في هذا النطاق السياسي. هذا التحالف تجاه بقاء نظام الأسد من شأنه جر قوى دولية مثل روسيا والصين للوقوف، ليس بالضرورة في صف الأسد، ولكن في وجه أي مشروع يقود إلى تدخل عسكري أمريكي. وكل ذلك يجعل من دمشق كعب أخيل الموضوعي الذي يجهله أوباما.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا