النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

غباء السياسة الخارجية الأمريكية

رابط مختصر
العدد 8921 الخميس 12 سبتمبر 2013 الموافق 6 ذو القعدة 1434

من يتابع مسار السياسة الخارجية الأمريكية منذ مطلع السبعينات يلمس بوضوح أنها خاضعة لقرارات غبية. نبدأ بالموقف الأمريكي من الثورة الخمينية التي أطاحت بشاه إيران في العام 1979، وتذبذب السياسة الخارجية الأمريكية حينها من التعاطف الخجول معها، إلى محاولة الغزو العسكري الفاشل للإطاحة بها متذرعة بتحرير الرهائن المحتجزين في مقر السفارة الأمريكية. ومن يومها لم تتوقف تلك السياسة العرجاء الغبية عن التخبط حتى عندما حاولت معالجة ملف المشروع النووي الإيراني، فقد نجحت في تقوية طهران بدلا، وكما كانت تخطط واشنطن، من إضعافها. بعدها نعرج على سياستها الفاشلة تجاه الأوضاع في أفغانستان، والتي وأن نجحت، مرة أخرى، في وضع حد للوجود العسكري السوفياتي هناك كما كانت نخطط واشنطن، لكنها أيضا، وبالقدر ذاته، تورطت في أوحال معارك مستمرة شنها الأفغان ضد الوجود الأمريكي هناك، ماتزال الولايات المتحدة تعاني من ذيولها، التي امتدت تداعيات آثارها السلبية حتى على التحالفات الأمريكية في شبه القارة الهندية، حيث تعثرت العلاقات، وما تزال بين واشنطن وكل من الهند وباكستان. ثم جاءت قمة الفشل لتلك السياسات الخارجية الأمريكية عند تدخلها الغاشم في العراق. مرة أخرى، ربما تكون واشنطن نجحت في إزاحة أحد حلفائها الشرق أوسطيين الذين لم يعودوا يسيرون وفقا لمخططاتها في المنطقة، عندما أطاحت بنظام صدام حسين، لكنها أدخلت العراق، ودخلت هي معه في دوامة من عدم الاستقرار، لا يعلم سوى الله متى سيخرج العراق منها، وهو مثخن بجروحه الاقتصادية والاجتماعية، قبل السياسية، ورافق ذلك تنامي ردود الفعل المناوئة للوجود العسكري والسياسي الأمريكي فوق الأراضي العراقية. وكما يبدو فإن سيطرة ذهنية السياسة الخارجية الغبية لم تغادر بعد أروقة البيت الأبيض، رغم وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض جولتين متتاليتين، فشاهدنا ذلك الغباء يتجلى في أوضح صوره في الموقف الأمريكي مما أصبح يعرف باسم «ثورات الربيع العربي»، التي عرفها العديد من البلدان العربية من بينها مصر، وأخيرا سوريا. ففي مصر تمظهر ذلك الغباء في التذبذب الأمريكي المعهود بين المتمسك بالعلاقات التاريخية مع المؤسسة العسكرية المصرية من خلال رموزها الرئيسيين من أمثال طنطاوي، وشفيق، والسيسي، والراغب في بناء علاقة جديدة مع الإسلام السياسي الأكثر تنظيما بين القوى السياسية المصرية وهم «جماعة الإخوان المسلمين». هذه السياسة الخارجية الأمريكية، لم تدخل الساحة المصرية هي الأخرى، في دوامة من العنف السياسي الذي لم تعرفه مصر في تاريخها المعاصر فحسب، بل أدخل الحليفين في صدامات دامية مباشرة يصعب على واشنطن التدخل من أجل اقناع أي منهما بالقبول بأي شكل من أشكال الحلول الوسط. ترافق ذلك مع موجة سخط عارمة، سادت صفوف الحليفين، معادية للولايات المتحدة ومواقفها من الأوضاع الملتهبة في مصر. تتكرر الصورة اليوم في الموقف من سوريا، حيث تمهد واشنطن لمد أصابع سياستها الخارجية في الوضع السوري من خلال ترويجها لمعاقبة نظام بشار الأسد لاستخدامه الأسلحة الكيماوية في معاركه التي يخوضها ضد القوات العسكرية المعادية له. ومن غير المتوقع، في حال تمسك واشنطن بسياستها الممعنة في الغباء، واقدامها على عملية عسكرية، حتى بمشاركة حلفاء محليين ودوليين، أن تكون النتائج أفضل من تلك التي عرضناها أعلاه في بلدان أخرى على امتداد مرحلة يتجاوز عمرها الزمني ربع قرن. بغض النظر عن أحلام واشنطن، فمن غير المتوقع ان تفرز هذه السياسة الخارجية في سوريا سوى دوامة عنف سورية جديدة يرافقها، كما سبق في البلدان الأخرى، موجة امتعاض شعبية من تلك السياسة الأمريكية الغبية، مشوبة بنزعة معادية لواشنطن، ووجودها السياسي والاقتصادي في المنطقة العربية. ربما تتوهم واشنطن ان هذه السياسة الغبية نجحت في تفتيت المنطقة العربية، وتحويل دولها إلى دويلات قزمة يسهل التحكم فيها، ومن ثم ضمان عدم «تمردها الناعم» ضد أي مشروع تطرحه واشنطن لإعادة رسم خارطة للشرق الأوسط، لكنها لا تدرك أن مثل هذه السياسة، حتى وإن افترضنا جدلا نجاحها، من الطبيعي أن تولد منطقة غير مستقرة غير قادرة على تقبل أي مشروع سياسي، بغض النظر عن مكوناته، ومن ثم فإن المحصلة الطبيعية المصاحبة لمثل ذلك التفتيت الغبي، في حال نجاحه، هي موجة من الفوضى التي لا يمكنها، بأي حال من الأحوال، أن تكون خلاقة، كما يروج لها أحد رموز السياسة الخارجية الأمريكية التي نتحدث عنها، وهي وزيرة الخارجية الأسبق كونداليزا رايس. من هنا، فمن المتوقع أن تجد واشنطن نفسها، إن هي أصرت الاستمرار في هذه السياسة الغبية، أمام خيارين لا ثالث لهما: أولهما الاستمرار في تلك السياسة الغبية الخرقاء، والتعاطي البراغماتي مع الحقائق الجديدة التي تولدها على أرض الواقع، وهذا يحول سياسات واشنطن من الفعل المستبق للأمور، إلى ردة الفعل المتأثرة بالأحداث واللاهثة من أجل اللحاق بها من أجل ضمان عدم خروجها عن الدائرة التي لا تكف واشنطن عن حصرها فيها. ردة الفعل هذه، تفقد الولايات المتحدة، عكس ما تريد هي، مركزها المتفرد بصياغة السياسات الدولية على المستوى العالمي، ويرغمها على تقديم تنازلات ليست هي في حاجة لها في المرحلة المنظورة القادمة. ثانيهما السير في دبر سياسة المؤسسة الصهيونية لأنها الوحيدة المستفيدة المباشرة من تفتيت المنطقة العربية، كي تصبح هي، من خلال دولتها إسرائيل، أقوى قوة إقليمية شرق أوسطية متماسكة. وأي من الخيارين المرين، يعززان من غباء السياسة الأمريكية، أكثر من أي شيء آخر، أدركت واشنطن ذلك أم لم تدركه، وقبلت به أم رفضته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا