النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10911 الجمعة 22 فبراير 2019 الموافق 17 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:35AM
  • العشاء
    7:05AM

كتاب الايام

الشعر والدراما.. الشاعر علي الشرقاوي نموذجاً..

رابط مختصر
العدد 8919 الثلاثاء 10 سبتمبر 2013 الموافق 4 ذو القعدة 1434

يعتبر الشاعر والكاتب المسرحي علي الشرقاوي من أهم من كتب الأغنية الدرامية في مسلسلاتنا التلفزيونية في البحرين والخليج العربي، والذي استطاع من خلالها أن يضفي روحا درامية تأتي في أهميتها موازية لكتابة السيناريو التلفزيوني وللصنعة الدرامية .. وتأتي هذه الأهمية لتميز الشرقاوي وإبداعه في كتابة النص المسرحي الشعري، في وقت مبكر، واستمراره في كتابة هذا النص حتى يومنا هذا، فقد تمكن الشرقاوي من إثراء مكتبتنا المسرحية بنصوصه المسرحية الشعرية، كما تمكن أيضا من إثراء حياتنا المسرحية في البحرين بنصوصه الشعرية التي تم تقديمها في أفضية مسرحية عدة، وكما تعلمون فإن كتابة الشعر في المسرح أو الدراما هو كتابة الفعل والحدث، وهي كتابة لا شك صعبة وتختلف عن كتابة الذاتوية كما في الأغنية، ولكن الشاعر الشرقاوي بتجربته الإبداعية والحياتية الثرة والغنية، استطاع أن يحسم أمر العلاقة القائمة بين القصيدة الغنائية والقصيدة الدرامية، كما استطاع أن يكون مبدعا في القصيدتين، ورصيده في هذين المجالين شاهد على هذه التجربة الإبداعية والحياتية، ولكننا في نهاية الأمر نصل إلى أن الشرقاوي شاعر غنائي بامتياز في أغلب ما كتب وأبدع. ومن أهم النصوص المسرحية التي تجلى فيها العنصر الدرامي، مسرحية عذاري وخور المدعي وأوبريت علاء الدين الذي تم تقديمه على المسرح وعبر الدراما التلفزيونية أيضا. وتجلت لغة القصيدة الدرامية لدى الشرقاوي في المسرح أيضا، في مسرحية البراحة لمسرح أوال، فقد كان إسهامه فيها ببعض القصائد وبصوت وألحان الفنان المبدع خالد الشيخ، المنطلق والإرهاص الأول لتألق الشرقاوي في أعماله وقصائده الدرامية. إن الشرقاوي عبر قصائده الدرامية التي قدمها في أغلب مسلسلاتنا البحرينية، والتي كتب أغلبها الكاتب راشد الجودر بحسه التراثي المعروف وأخرجها المخرج التلفزيوني المبدع أحمد المقلة، مثل ملفى الأياويد وفرجان لول وحزاوي الدار وسعدون وآخرها برايحنا للمخرج جمعان الرويعي، استطاع أن يجعل من هذه القصيدة عنصرا دراميا أساسيا من عناصر المسلسل بكافة أشكاله وأساساته، وأن يجعل من الصراع في قصيدته الدرامية جزءا لا يتجزأ من منظومة الصراع الدرامي في النص وفي العمل الدرامي المنجز بشكل عام، وقد استطاع الشرقاوي بهذه القدرة الإبداعية الفريدة من أن يجعل من قصيدته الدرامية لونا من ألوان التفكير الدرامي، حيث لا تأخذ القصيدة مسارا واحدا أو ذاتويا، بل عدة مسارات مكتنزة بالتناقضات والتقاطعات التي تقتضيها مهمة الكتابة للدراما. إذن فالدراما في تعريفه نمطٌ معينٌ من التفكير، يختلف عن ذلك التفكير الذي يكتنف القصيدة الغنائية. فإن كان الشاعر الغنائي يهدف إلى إطلاق صوته إلى أبعد مدى، فإن الشاعر الدرامي محكومٌ بأصواتٍ أخرى، تدعوه إلى دخول حلبة الصراع. وقد يكون سبب تعلق القارئ بالقصيدة الغنائية، وسر استمرارها على مدى العصور، أن المتلقي يحس فيها بالطرب والنشوة والراحة، أو الانفعال والحماس، لكنه في القصيدة الدرامية قد يقع في التناقض والحيرة، ويجد نفسه أمام صراع رهيب، متعب، مرهق للتفكير، وقد يكون أحد أطرافه. لذلك تجد الشاعر الدرامي يتأرجح بقصيدته بين الدراما والغناء. ولعل ما يؤكد هذا الزعم أن الجوقة ظلت الشطر الثاني للقصيدة اليونانية على مر العصور، إلى أن جاء إسخيلوس، وأدخل فيها الصوت الثالث أو الممثل الثالث. ونتلمس إبداع الشرقاوي في القصيدة الدرامية التلفزيونية، من خلال تألقه في غناوي بوتعب، ذلك المسلسل الدرامي المتميز في قدرة الشرقاوي على استنطاق متاعب المهنة بحس غنائي ودرامي معا، وقدرة الفنان عبدالله ملك على تجسيد وأداء أدوار هذا المسلسل بتباين حالات شخصياته ومهنها المختلفة، وإبداع المخرج المقلة في تشكيل صور إخراجية شاعرية أضفت على روح التجربة النصية روحا شفافة وحية ومثيرة ومشوقة، ولا ننسى أيضا في هذا الصدد، إبداع الماكيير القدير عبدالعزيز مندي الذي أحيا وجوه شخصيات هذا المسلسل بإتقان، جعل المتلقي وكما لو أنه يعيش أزمنة وحالات هذه الشخصيات بتباين أدوارها وملامحها، وللملحنين الدكتور مبارك نجم ويعقوب يوسف أيضا دور مهم على صعيد الإخراج الصوتي والأدائي. إن الشرقاوي في غناوي بوتعب، فتح أفقا إبداعيا مهما للقصيدة الدرامية التلفزيونية، في وقت كانت شاشاتنا ومسلسلاتنا البحرينية والخليجية تشكو من غياب هذه القصيدة، وتمكن من أن ينسج خيوطا شعورية درامية متشابكة، تتقاطع عبرها فنون أخرى مجذية للحالة الدرامية مثل ما أسلفت، كالأداء والموسيقى والغناء الدرامي والإخراج والماكياج. وبذلك استطاع الشاعر الشرقاوي أن يمنح القصيدة الدرامية شعبية واسعة، ترددها وتستقبلها بحب، كل فئات المجتمع بمختلف أمزجتهم وأعمارهم، خاصة وأنه نهل مادته الدرامية من موروث المجتمع البحريني ومن مفردات الوطن وقيمه، بجانب سهولة وبساطة تراكيبه الشعرية الغنائية والدرامية التي لا تعيق المشاهد في مسألة فهمها واستيعابها. ومن الأمور الأساسية التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا والتي أسهمت في شعبية القصيدة الدرامية لدى الشرقاوي، هي تعاونه مع ملحنين لهم أيضا تجربتهم وشهرتهم من خلال الأغنية والقصيدة الدرامية، ومن أهم هؤلاء الملحنين، خالد الشيخ ومبارك نجم، ويعقوب يوسف، هؤلاء الملحنون تمكنوا فعلا من تشرب واستيعاب وهضم تجربة الشرقاوي في مجال القصيدة الدرامية، فكانت أغلب مسلسلاتنا التراثية على وجه التحديد يكون كل مشارك فيها نجم وله حضوره الساطع والمميز، «الكاتب والمخرج والممثل ومؤلف القصائد الدرامية والملحن والمؤدي للقصائد والماكيير» بشكل أكثر تحديدا .. وكانت الرقصات التعبيرية الشعبية التي يصممها الفنان الباحث جاسم محمد بن حربان ملح هذه الأغنيات والقصائد الدرامية التي يكتبها الشرقاوي للمسلسلات التلفزيونية، والتي افتقدناها حقا في مسلسل برايحنا الرمضاني الأخير عام 2013، فقد كان الحربان لتشربه وهضمه للموروث الشعبي البحريني والخليجي أيضا، قادر على استيعاب وترجمة هذه الأغنيات والقصائد المغناة والمؤداة وفق مقتضيات الدراما، ويمنحها حسا تعبيريا موازيا للقصيدة ذاتها وللسيناريو النصي المكتوب، ونلحظ ذلك من خلال تجسيده نماذج القصيدة والسيناريو الدرامية والكاريكاتيرية في افتتاحيات المسلسلات وفي قلب أحداثها أيضا. أمر آخر لا يقل أهمية عن هذا الأمر، إن لم يكن متماهيا معه ومندغما فيه، هو صحبة الشرقاوي الإنسانية والخلاقة لأهل الفن وصحبتهم له، وتحديدا المشتغلين في حقل الدراما التلفزيونية، فبيته هو بيت الفن بحق، إذ يلتقي بالأصدقاء الفنانين شبه يوميا، ويتم من خلال أكثر هذه اللقاءات تبادل الأفكار والرؤى والمشروعات الدرامية، وربما من بيته تشكلت ونسجت أعمالا درامية وبرامجية أيضا وحتى الإذاعية كان لها نصيب في بيته. إن هذه الصحبة هي مورد التجارب والأفكار المثيرة للكتابة والنضج في تقديمها وتجسيدها، لأنها صحبة الحياة، والعمل الدرامي، مختبر حقيقي للحياة والمخيلة في آن، خاصة ما إذا توفرت على مبدع حياته غنية ومثيرة كالشاعر الشرقاوي، الذي يعتبر في أغلب قصائده الدرامية التي قدمها أشبه بالباحث الدقيق عن تفاصيل خارطة الوطن بطبيعته وشخوصه وقيمه وعاداته وتقاليده ونماذجه الحياتية الفريدة والطريفة أيضا، ولو وقفنا قليلا على تجربته في غناوي بوتعب لأدركنا هذا الحس البحثي الفريد لدى الشرقاوي. وتتجلى درامية القصائد لدى شاعرنا الشرقاوي أيضا، في قصائده المصورة عبر الفيديو كليب، والتي أداها بعض الفنانين والمطربين المشهورين في البحرين، من أمثال الفنان خالد الشيخ والفنان الراحل علي بحر، وخاصة أغنيته الشهيرة بلد أصلي، وهذا يؤكد بالدليل القاطع أن الشرقاوي مكتنز بالحس الدرامي في كل ما يكتب من قصائد، بل أن للشاعر قصائد ربما لم تصور تحمل هذا الحس وهذا الهاجس، ومن أشهرها في رأيي قصيدة معيوف التي أداها الفنان محمود حسين .. إن الشرقاوي في كتابته للقصيدة الدرامية، يوشك أن يكون الفريد من بين شعراء الخليج العربي الذين كتبوا للدراما، في قدرته على تحفيز الآخر على نقل التجربة الدرامية من الشاشة أو الفضائيات إلى الأرض، واحتفاء كبار الفنانين بها في كثير من المناسبات الوطنية، ومن بينها أغان قدمت في مسلسلات تراثية معروفة. إن كل تفاصيل الوطن اكتنز بها قلب شاعرنا المبدع علي الشرقاوي، فكانت القصيدة الدرامية في البحرين كلها وفي جميع ومختلف وسائطها ومجسداتها هي نبضه الحي والباقي ونبضنا الذي نتحسس من خلال دقاته ورهيفه جذر هذا الوطن ومعاناته وحلمه. إن الحس الدرامي يكاد يسكن حتى في قصائد الشرقاوي التي لم تلحن وتؤدى غنائيا في المسلسلات، فكانت هذه القصائد تحمل أيضا بعدها الدرامي الذي يثري الأعمال الدرامية التي قدمت من خلال التلفزيون أو الفضائيات. مثل هذه التجربة الإبداعية الناضجة والمميزة في حقل الدراما التلفزيونية، لا يكفي الإشادة بها فقط، إنما أرى أنه آن الأوان وإن جاء متأخرا لتكريم شاعرنا القدير علي الشرقاوي، بوصفه أكثر من منح الدراما التلفزيونية روحا خلاقة تسمو بالعمل الدرامي وتخلق روحا حميمة بينها وبين المتلقي أو المشاهد لكافة الأعمال الدرامية التي كتب لها قصائده الدرامية. وينبغي أن يكون تكريمه على صعيد المملكة، بدءا من وزارة الإعلام التي أنتج لها ما لا يحصى أو يعد من القصائد الدرامية في أغلب المسلسلات التلفزيونية التراثية وغير التراثية، مرورا بمؤسسات الإنتاج الفنية الخاصة وبالمؤسسات الفنية والثقافية الحكومية والأهلية، ففي جعبة الشرقاوي مواويل وقصائد لو جمعتها ونسجتها لأنتجت أعمالا درامية مهمة لم يتم الإلتفات إليها بعد، فالشاعر الشرقاوي غزير الإنتاج في سخائه الدرامي، وربما بإمكان أي مخرج للدراما أو منتج لها، يجد ضالته فيها، وكما لو أن الشرقاوي أرهص بقصائده الدرامية تلك للمسلسل قبل أن يكتب ويعرض للإنتاج الدرامي التلفزيوني .. الشرقاوي تجربة إبداعية هي في حد ذاتها سيرة درامية جديرة بأن نتأملها ونكتبها وننتجها دون أن نحتاج أو نلجأ إلى من يكتب قصائدها الدرامية، وذلك أقل التكريم له ..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا