النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

اللحظة التاريخية الحاسمة

رابط مختصر
العدد 8910 الأحد 1 سبتمبر 2013 الموافق 25 شوال 1434

بعيدا عن المنهج الفكري الذي يستخدم في تحليل التطور التاريخي للمجتمعات البشرية، هناك حقيقة تحكم هذا التطور وتشكل عنصرا أساسيا من عناصر التحكم في آليات عوامل التغيير الفاعلة فيه. هذه اللحظة التاريخية الحاسمة التي نتحدث عنها هي تلك اللحظة التي تبلغ فيها محصلة عوامل التغيير ذروتها، وتمتلك تلك العوامل القدرة على نقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى، تتهاوى خلالها فئات اجتماعية تفقد بموجب ذلك التغيير عناصر قوتها ومن ثم تنهزم برامجها السياسية، وتتراجع معها البرامج الأخرى المرافقة لها من اقتصادية واجتماعية. وبنفس المستوى والقياس تنهض قوى أخرى مؤهلة للاستفادة من افرازات تلك اللحظة والظروف التي تخلقها فتكون تلك القوى قد هيأت نفسها لطرح برامجها السياسية وما يرافقها من برامج اقتصادية واجتماعية. وحدها تلك القوى التي لا تستطيع إدراك تلك اللحظة التاريخية الحاسمة، ومن ثم تفشل في قراءة المستقبل وتصر على البقاء أسيرة التاريخ، تدفع الثمن باهظا، وتجر وراءها تلك القطاعات الواسعة من الجماهير التي أعمتها قياداتها عن تلمس تفاعلات تلك اللحظة، ومن ثم تضطر إلى تسدد فواتير غير مبررة يكون ثمنها لتضحيات فقدت موجباتها. الأمر ذاته ينطبق على القوى الناهضة التي لم تؤهل نفسها لتلك اللحظة التاريخية، فهي الأخرى، رغم انها، ومن الناحية التاريخية الصرفة، قوى ناهضة، لكنها لن يكون في وسعها، بسبب قصر نظرها وضيق أفقها، من تلمس تداعيات تلك اللحظة، فتضيع الفرصة من بين يديها، وتقطف ثمار تلك اللحظة قوى أخرى، ليست بالضرورة هي التي خاضت غمار الصراع، ودفعت ضريبة تهيئة الظروف كي تصل إلى تلك اللحظة التاريخية التي نتحدث عنها. ولتقريب الصورة من ذهن القارئ، فهذه اللحظة التاريخية في مسار تطور المجتمعات البشرية ليست لحظة وامضة بالمقاييس الزمنية اليومية، لكنها مرحلة معينة لها نقطة انطلاق ومحطة انتهاء من الطبيعي والمنطقي أن تستغرق فترة زمنية تطول او تقصر وفقا للظروف الموضوعية المحيطة بها، والذاتية للقوى التي تخلقها. ودروس التاريخ مليئة بتلك اللحظات التاريخية التي يمكن ان نستحضر البعض منها فقط للتدليل على صحة ما نذهب إليه، حول حديثنا عن تلك الحظة التاريخية. على المستوى العربي يمكننا أن نستشهد بهزيمة حزيران 1967 التي حققت فيها إسرائيل انتصارا ساحقا على أنظمة البرجوازية الصغيرة التي كان يتصدرها في تلك المرحلة، على الصعد الفكرية والسياسية النظام الناصري. لقد أفصحت تلك الحرب، سواء اعترفت القوى القومية، بوجه عام، أو الناصرية منها على وجه الخصوص، بعدم قدرة الفكر القومي، بما فيه ذلك المزيج المطعم بالفكر الاشتراكي، أو حتى الماركسي – اللينيني، على الصمود في وجه التغييرات القادمة نحو منطقة الشرق الأوسط. لم يكن سببا لهزيمة كما تصورها أجهزة الإعلام الغربية إهمال هنا او تقصير هناك، بقدر ما كان محصلة طبيعية لتراكمات لم يكن لها ان تفصح عن نفسها إلا على النحو الذي شهدناها فيه. استغرق الأمر ما يقارب من النصف قرن، قبل أن تتهاوى جميع الأنظمة العربية التي كانت تقترب بشكل أو بآخر من التجربة الناصرية، وليس هبوب ما أصبح يعرف باسم الربيع العربي، على البلدان الواقعة تحت سيطرة القوى التي نتحدث عنها سوى القشة التي قصمت ظهر بعير تلك المرحلة. بطبيعة الحال هناك بعض الاستثناءات مثل الحالة التونسية، لكنها لا تدحض ما نشير إليه، بل هي تلك الاستثناءات التي تؤكد صدق مقولات القاعدة. بالمقابل دعت تلك اللحظة التاريخية الحاسمة القوى المهيئة حينها للاستفادة من الضربة التي تلقاها النظام الناصري، ومن خلفه القوى التي كانت تأخذ بمقولاته الفكرية، وافسحت المجال أمام قوى سياسية، هي تلك التي عبرت عن نفسها عبر من خلال الأطر التنظيمية للإسلام السياسي، وتجسدت أولى مظاهرها الملموسة في الثورة الخمينية في العام 1979. وعلى المستوى الخليجي، شكل الإعلان عن الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج العربي في الستينات من القرن الماضي لحظة تاريخية حاسمة لم تستطع قوى المعارضة الخليجية من تقدير حجمها وتداعياتها على نحو «تاريخي» صحيح، ومن ثم كان لابد لها من ان تدفع فواتير هذا الفشل في تقدير الانعكاسات السياسية التي ولدها ذلك القرار. ومما لا شك فيه ان التغيير النوعي الذي عرفته سلطنة عمان في يوليو 1970، وما أدى إليه من تغييرات تاريخية، كان أهم معلم من معالم افرازات ذلك الانسحاب، الذي لم تستطع «الجبهة الشعبية لتحيري عمان والخليج العربي»، حينها، من قراءته بشكل صحيح، وكان أحد أسباب الهزيمة التي دفعت ثمنها باهظا في تلك اللحظة التاريخية الحاسمة. وفي البحرين، كانت تجربة المجلس التأسيسي والوطني، هي الأخرى لحظة تاريخية حاسمة، لم تستطع تقديرها القوى السياسية البحرينية من تقديرها بشكل صحيح، سواء تلك التي قاطعتها في المرحلة الأولى ورفضت المشاركة فيها، أو تلك التي انخرطت فيها، وساهمت بوعي أو بدون وعي في اجهاضها قبا ان تصل إلى مرحلة النضج المطلوبة التي كانت في امس الحاجة لها. اليوم تقترب البحرين من لحظة تاريخية حاسمة تطالب القوى السياسية الفاعلة بمختلف فئاتها الاجتماعية وبرامجها السياسية، وكذلك مواقعها في ساحة الصراع ان تعيد النظر في مواقفها في ضوء تقديرها السليم لإفرازات تلك اللحظة من خلال تقويمها العلمي للقوى الفاعلة في هذه الساحة والمسافة التي تقربها او تبعدها من القدرة على الاستفادة عما يمكن ان تولده عناصر هذه اللحظة من عوامل سيكون الخاسر الأكبر من لا يستطيع فهمها على نحو صحيح، وتجييرها لصالح برامجه على أسس علمية لا وفق أهواء عاطفية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا