النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11025 الأحد 16 يونيو 2019 الموافق 13 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:15AM
  • الظهر
    11:38PM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

ذاكرة الرفاع (5) لرمضان في رفاع الخير طعم آخر..

رابط مختصر
العدد 8863 الثلاثاء 16 يوليو 2013 الموافق 7 رمضان 1434

عندما تأخذني الذكريات إلى الوراء بعيدا، وتحديدا في ستينات وحتى منتصف سبعينات القرن الماضي، تأخذني نحو شهر رمضان الكريم في رفاع الخير، تستوقفني لحظات جميلة وامضة في رأسي ووجداني حتى هذه اللحظة، ولعل أولها وأهمها، اعتقادنا وإيماننا الحقيقي بأن كل أباليس الأرض وأشباهها قد قيدتها ملائكة الحب والرحمة والرفح، وما عاد لها وجود أو شبه حتى في أعتم ليل من ليالي شهر رمضان، ذلك أن ليل رمضان هو في قناعتنا نهار جميل تدب فيه طاقتنا ولا تكف حتى تشرق الشمس ثانية لتعلن يوها الجديد القادم.. أتذكر كم كانت تعاني هذه الأباليس بسبب القيود السميكة التي أحكمت شياطينها بها، كنت أحسبها وأنا طفل صغير، تبكي وتتألم من شدة الأغلال التي قيدتها، وكنت أحسب أننا نحن الأطفال كم كنا نضحك فرحا وبهجة عليها وهي ترجونا وتتوسل إلينا كي نفك قيودها.. أتذكر جيدا كم كانت وجوه أطفال الرفاع وهي تذرع الأحياء طولا وعرضا مشرقة ومطمئنة لأنها سوف تعيش شهرا كاملا ملؤه الأمن واللعب في واحاته وبراحاته وأحيائه بحرية كاملة.. ]]] في رمضان آه كم نحب الشمس، كم نعشقها، ننتظرها، نرقب شروقها ونتابع لحظات غروبها الأخيرة، ولو سألتمونا في الرفاع مالشمس؟ لقلنا هي الرفاع.. ]]] في رفاع الخير، أول الذكرى كرم آل خليفة الكرام، الذي يعم الرفاعين كلها بخيره في شهر رمضان الكريم وحتى إعلان عيده السعيد، كانت أطباقهم ومعوناتهم الباذخة تطوف أغلب حواري وأزقة المحتاجين في الرفاع فتشملهم بسخائها، وخير آل خليفة ليس ذكرى فحسب، وإنما هي عادة كريمة أصيلة متجذرة في نفوسهم حتى يومنا هذا، متجذرة في نفوس شيوخهم ونسائهم الكريمات، ومن منا ينسى المرحومة الغالية الشيخة العنود وهي تشرف في قصرها على فطور الخير وتأمر بتوزيعه بسخاء على أهل الرفاعين دون تقصير؟ من منا ينسى جواهر الكرم الثمينة التي اتصلت بصاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء حفظه الله، اتصلت به أخوة وبنوة في الدم والأصل، من منا ينسى عاداتهن الكريمة التي أسخت على أهل ونساء الرفاعين بكرمها؟ ]]] رمضاننا في الزمن الجميل وجبات كريمة شهية لذيذة تجاور بعضها على مائدة الإفطار في الرفاع كما أهلها الكرام، علاقة حميمة بين ذواتنا وأفراد المائدة التي تحاور شغفنا إليها قبل الإفطار وأثناءه وبعده، فهل عدت يا رمضان بما كنت تشتهيه منا ونشتهيه منك؟ أم أننا في زمن ليس لنا منا فيك سوى اسمك؟! ]]] أتذكر في رمضان صمت الرفاع الخاشع بعد أذان المغرب وجمال أحيائها وصخبها الجميل بعد صلاة التراويح.. ]]] وتأخذني الذكرى نحو البيت «العود» الذي عشت فيه وشهدت أول هلال من غرة رمضان من خلال حوشه الواسع، نافذتنا الكبيرة المطلة على السماء كلها.. في هذا البيت لسعف النخيل فيه صهيله الخاص قبل رمضان بأيام قلائل وبعد استخدامه كمدفئة للخبز «الرقاق» الذي سنقتاته في حين خبزه أو بعد إعداده كثريد «معطش»، وهو خبز الرقاق الذي يخلط بعد أن يفتت بالسكر والهيل ويمزج بالماء، ثم يقدم على مائدة الإفطار، وأعتقد أن خبز «الرقاق» سمي كذلك، نظرا لرقة حجمه وقابليته على الالتهام والتفتت بسرعة.. أذكر أنه عندما كنا أطفالا، كنا نعطي الجدة نورة بنت عبدالله رحمها الله البيض المتاح من الدجاج المنتشر في زريبة بيتنا الكبيرة التي تحوي بجانب الدجاج الأبقار والأغنام أيضا، فتأخذ الجدة هذا البيض فتخفقه وتطلي به وجه خبز الرقاق وتنثر عليه قليلا من السكر، وسرعان ما ينضج، فتعطينا إياه وجبة ساخنة ما أسرع ما نلتهما أنا وأخواتي.. ]]] في رمضان الكريم أتذكر أيضا جدتي نورة وهي تعد خبز الرقاق في حوطة البيت وأنا بقربها طفلا أتذوق أول خبز تعده، خاصة وإن كان مختلطا بالعجين، نطلق عليها قديما «الحنوة»، كانت الزريبة في عيني آنذاك ريفا رائعا.. ]]] أتذكر في رمضان الدين والحب والوصل والأمن، خاتمة الفاتحة وهي توحد كل أصوات أهل الرفاع في المساجد بـ»آمين»، كان هذا الدعاء الذي أصغيت له صغيرا بخشوع دون أن اقصده، هو الذي دعاني بعدها بسنة أو أكثر تقريبا لأن أشارك بين جموع المصلين بترديده، آه ما أروع هذا الدعاء وهو يوحدنا، ما أروعه وهو يضفي على نفوسنا وقلوبنا صفاء لا يعلم إلا الله وحده كم كان نقيا وهو يصدر منها وعنها.. ]]] في رمضان الكريم أتذكر يدي والدي الكادحتين الكريمتين رحمه الله وهي تتولى طحن وهرس الهريس الذي تعده جدتاي في حوش بيتنا قبل أذان المغرب.. وأذكر شغفي الكبير أنا واخواتي الست على «ورية» الهريسة بعد إعدادها، آه كم كانت لذيذة إلى الحد الذي تتنتظر فيه عيوننا رؤية قاع القدر.. هل فهمتم معنى «الورية الآن»؟ وأتذكر جدتي الكبرى نورة وهي تغرف شوربة الهريس الساخن لأحتسيه طفلا قبل الفطور وبعده في صيامي.. في رمضان أتذكر صحن الهريس «الكاب» المزخرف بالبني والذي يحتل بهوه أسد بكبريائه، والذي غالبا ما يكون شعار هذا الصحن، «كاب» ما في مثله اليوم، كاب هريس فعلا.. ]]] أتذكر في رمضان رائحة «الخنفروش» الطيبة الزكية التي يزكم زعفرانها الأنوف والتي كم أغوتني رائحتها فأجبرتني على التهام بعضها قبل وصولها للجار العزيز قبل أذان المغرب أحيانا.. ]]] أذكر في رمضان «بلاليط جدتي» القوت الذي تعده للسحور آه ما أزكى رائحة الهيل وهي تختلط بالسكر والزعفران، وأذكر أننا نمضي بعد السحور صباحا إلى مدرسة فالح بالرفاع بطاقة غير عادية.. ]]] أتذكر في رمضان الماء المبخر الذي تعده أختي الكبرى أم مناور والذي نستنشق رائحته الطيبة الزكية ويسبقنا الشغف إلى شربه قبل مرور التمرة الأولى إلى فمنا.. ]]] اذكر في رمضان وأنا طفل أحلى «لقيمات» تذوقتها في حياتي من يد زوجة خالي راشد بن علي الحمدان أم خليفة، والتي لا يمكن أن ينساها أهل الرفاع الغربي، ما أرق قلبها وهي تمنح الأطفال مناشف مبلولة بالماء البارد تتوسد رؤوسهم وقت الصيف كي تحميهم من حرارة الشمس وهم يمضون بزاد رمضان إلى بيوتهم.. ]]] أفضل من كان يعد ويطهي لقيمات رمضان بعد زوجة خالي راشد الحمدان رحمهما الله، ابنتهما الكبرى رحمها الله أم فؤاد، لقيماتها طلب الأهل وأهل الجاه في الرفاع.. ]]] في بيت خالي راشد بن علي الحمدان تذوقت أفضل وأشهى لحم عربي على مائدة الإفطار وأنا صبي.. وكانت مائدة الخال بو خليفة، مائدة عامرة دائما بشباب ورجال العائلة.. ]]] في رمضان الرفاع كل شيء يحيا، يبدو جميلا وبهيا ومبهجا، ألعابنا الطفلية البريئة أولادا وبناتا، مثل «الصعقير» و»ظلالوه» و»السكينة» التي يشارك بعض الأولاد فيها البنات.. كل شيء يبدو جميلا في رمضان الرفاع، الأندية التي يجتمع فيها الأطفال والصبية والشباب، الاسكتشات التمثيلية التي نتدرب عليها لنقدمها لجمهور الفريج أو الرفاع، اللعب بالليل، مثل كرة القدم والطائرة، كل شيء في رمضان يحيا ويتجلى في الليل، وما أجمل وأحلى وأشهى ليلك يا رمضان..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا