النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الفراغ السياسي مخلب المشروعات الأجنبية الجديدة

رابط مختصر
العدد 8851 الخميس 4 يوليو 2013 الموافق 25 شعبان 1434

لا يختلف اثنان حول صحة مقولة «أن الطبيعة تمقت الفراغ». وهناك الكثير من التجارب العلمية التي تثبت أن الأجسام المسالة أو الغازية أو حتى الصلبة، وفي الظروف الطبيعية، لا تنتقل من مكانها تاركة وراءها فراغات غير مملوءة. على نحو موازٍ عمد الكثيرون، من ساسة وعلماء اجتماع، إلى تطبيق ذلك على المجتمعات البشرية، تبريرا لمشروعاتهم السياسية، وفي حالات نادرة الاجتماعية، حينما يبشرون بوجود فراغ سياسي أو سكاني، من غير المنطقي استمرار وجوده، ويتبعون ذلك بتبرير خطط وبرامج، وفي أحيان أخرى، «شرعنة» مشروعات ملء ذلك الفراغ، خدمة لمصالحهم الذاتية. في السياق السياسي، وعلى المستوى الدولي، من منا لا يذكر تعالي الدعوات الأمريكية ببروز فراغ في الساحة الدولية إثر انهيار الاتحاد السوفياتي قاطرا وراءه منظومته الاشتراكية الدولية، بكافة أعضائها، التي شكلت معه، إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، القطب الكوني الآخر المناهض لسياسة الولايات المتحدة الدولية، والمنافس لها في السيطرة على مناطق النفوذ في العالم. تحت شعار ولادة ما أسمته واشنطن، بعد الانهيار السوفياتي، بالعالم الجديد الأحادي القطب، سارعت إدارة البيت الأبيض للترويج بضرورة خلافة واشنطن للعالم، مبدية استعدادها للحلول مكان «الفراغ» الذي خلفه تفكك المنظومة الاشتراكية، مخفية تحت ذلك سياساتها الرامية إلى «اخضاع العالم لمنهجها ورؤياها المستقبلية». ولم تكن مقولات صراع الحضارات بعيدة عن تلك السياسة المروجة لبروز عالم سيادة «القطب الواحد»، وكانت الولايات المتحدة هي ذلك القطب المسيطر. ولم يكن التوقيع على معاهدة باريس 1991، وهي الاتفاقية أعلنت رسميا (عصر الحرب الباردة)، سوى إطلاق العنان للصيحات الأمريكية المتعالية والمطالبة بضرورة « العمل بسرعة وبكل الوسائل المتاحة لملء الفراغ السياسي والفكري (العقائدي) الذي خلفه غياب الاتحاد السوفييتي السابق عن الساحة الدولية». قبل ذلك برزت نظرية ملء الفراغ السياسي، في نهاية الحرب العالمية الأولى إثر انتصار الدول الغربية وانهيار الدولة العثمانية، وكانت محصلة دعوات ملء الفراغ الذي خلفه رحيل العثمانيين عن الشرق الأوسط، حلول الدولتين العظميين المنتصرتين في تلك الحرب، فرنسا وبريطانيا مكانهم، وتقاسمهما التركة وفقا لما عرف بمعاهدة «سايكس - بيكو» المشهورة التي لم تكتف بإحكام قبضة الغرب على المنطقة العربية فحسب، بل أمعنت أيضا وبإصرار لم تخفيه تلك الدول، في تمزيقها إلى دويلات متشظية، تحتضن في أحشائها تقسيمات طائفية وإثنية متناحرة، قابلة لتفجير صراعاتها الداخلية في أية لحظة. وبين الحرب العالمية الأولى، وانهيار المنظومة الاشتراكية، تعرضت المنطقة العربية لدعوات «ملء الفراغ» إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما انبرت واشنطن، تحت راية ما عرف حينها بمبدأ ايزنهاور، الداعي إلى «ملء الفراغ» الناجم عن ارتخاء قبضة بريطانيا وفرنسا في منطقة الشرق الأوسط، الذي، وكما كانت تقول «نظرية الفراغ»، بحاجة إلى دولة عظمى تملأ الفراغ الذي يتركه تهاوي الاستعمار القديم في الشرق الأوسط. طرح ايزنهاور حينها بروز محاور سياسية شرق أوسطية جديدة، لكن انتصار الثورة الناصرية، أربك تلك المخططات، وحال دون تنفيذها على النحو الذي ارتأته واشنطن، وكان ثمن ذلك باهظا، دفعه النظام المصري في حرب يونيو 1967. كانت تلك أمثلة تشخص نظرية «ملء الفراغ» على الصعيدين الدولي والإقليمي، لكن هناك شواهد على محاولة تطبيقها على نطاق وطني محدود، وهو الأمر الذي شاهدناه في المشروع الصهيوني الذي روج له رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون، الذي تصفه الباحثة مي كحالة بالقول، كانت الخطة الصهيونية، «تقضي بالتخلص من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية والحلم بملء الفراغ الذي سينجم عن غيابه بمجموعة من البدائل يشكلون كلهم سلطة واحدة بدلاً من حشد كل السلطات في شخص واحد. وتبدو الفكرة ذكية للغاية، إذ يكون شارون التزم بقاعدة التاريخ التي برهنت مراراً أن رحيل القائد لا تعني بالضرورة فراغ الحكم وأن البديل غالباً ما يأتي متحرراً من التزامات سلفه بحيث يتمكن من تجاوز الواقع السابق إلى واقع ليس بالضرورة أفضل إنما في الأقل مختلف». اليوم، وفي خضم عدم الاستقرار الذي تشهده المنطقة العربية، ووسط الاضطرابات التي بلغت في بعض الدول صدامات مسلحة على نطاق واسع يذهب ضحيتها العشرات من المواطنين الأبرياء، بدأت تتعالى في سماء السياسة العربية من دعوات تنادي بضرورة ملء الفراغ الذي خلفه وراءه سقوط الأنظمة التي كانت قائمة. وصل الأمر إلى ذهاب من يقف وراء تلك الدعوة إلى القول بأن «التخلف السياسي / الاجتماعي العربي لا يسمح للأنظمة العربية أن تسوس نفسها، وأنها بحاجة إلى قوة أجنبية ناضجة ومحنكة، قادرة على إعادة الأمور إلى نصابها». جوهر هذه الدعوات هو الترويج لنظرية «ملء الفراغ»، وهو التبرير لتدخل أجنبي جديد يعيد إحكام قبضة القوى الخارجية على مقدرات الأمور في المنطقة العربية. لذا، ولمن بلغت بهم السذاجة السياسية لتصديق حسن نوايا من يقفون وراء تلك الدعوات، ندعوهم لإعادة قراءة التاريخ العربي المعاصر، كي يكتشفوا، دون الحاجة لبذل الكثير من الجهد، أن مثل هذه الدعوات، بغض النظر عن من يقف وراءها ونواياه، لا يمكنها إلا ان تشرع الأبواب واسعة أمام إخضاع المنطقة، من جديد، للنفوذ الأجنبي في صيغ جديدة لن نتمكن من الكشف عنها إلا بعد ان تكون قد حققت القوى التي تقف وراءها مآربها، والتي كما يقول منطق التاريخ، وليست أهداف «نظرية ملء الفراغ»، انها تتناقض بشكل كامل مع مصالح الدول العربية، وتتعارض مع طموحات شعوبها في الحرية والعدالة والمساواة. ومن ثم فمن يريد الدفاع عن تلك المصالح أن يلتفت نحو الداخل، بدلا من التوسل من الخارج. فما يأتي من الخارج هو مشروع شيطاني جديد يراد له أن ينشب مخالبه في جسد المنطقة العربية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا