النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

إعادة النظر في بعض مداخل قاموسنا السياسي

رابط مختصر
العدد 8842 الثلاثاء 25 يونيو 2013 الموافق 16 شعبان 1434

في العقدين السادس والسابع من القرن الماضي، تكاثرت في القاموس السياسي العربي، ومن بينها بطبيعة الحال البحريني مجموعة من المداخل التي تكرست في عدد من التعابير مثل: «البرجوازية الصغيرة المتذبذبة»، «طبقة البرجوازية الكمبرادورية المنبطحة»، «الدول التقدمية»، وكان يقصد بها الأنظمة الجمهورية العربية، «الأنظمة الرجعية المتخاذلة»، وكانت حينها رديفا للأنظمة التي لم تصل إلى سدة الحكم فيها انقلابات عسكرية... إلخ من تلك الصفات التي كانت تلوكها ألسنة نسبة عالية من قيادات العمل السياسي العربي، وعلى وجه الخصوص الشابة منها. لم تكن البحرين، وهي المجتمع الأكثر وعيا سياسيا على المستوى الخليجي بعيدة عن تلك الموجة التي سيطرت على الأدبيات الأكثر رواجا في ساحات العمل السياسي العربي، وبالتالي الأشد تأثيرا على سلوك قياداتها. ليس هنا مجال سرد السلبيات التي أفرزها ترديد تلك العبارات من خلال الإصرار على غرسها عميقا في أذهان الشباب العربي المسيس، ومن ثم تكريسها في منطلقاته الفكرية. يعود سبب استذكارها اليوم إلى بروز حالة مشابهة لها في سماء العمل السياسي العربي، وعلى وجه التحديد البحريني، ومن ثم لم يعد هناك مفر من التحذير من استعمالها، خشية تكرار الظاهرة التي أشرنا لها أعلاه، الأمر الذي يعني وقوع الفكر السياسي البحريني الراهن في فخ جديد، يفقده الزخم الذي هو في أمس الحاجة إليه، ويصبح من الصعوبة بمكان خلاصه منه. تنتصب أمام أعيننا قائمة طويلة من مداخل القاموس السياسي البحريني المحض، نكتفي باختيار المجموعة الأكثر انتشارا من بينها، والأشد تأثيرا، بالمعنى السلبي للكلمة، في صفوف العمل السياسي البحريني. تتصدر تلك القائمة السلبية المفردات الأكثر شيوعا مثل: «الموالاة» و»المعارضة»، «الولاء للخارج». وانطلاقا من ضرورة رفض التعامل مع هذه التعابير، يمكن الاكتفاء بسرد بالأسباب التي تبرر الدعوة للتوقف عن استخدامها، سوية مع إبراز السلبيات التي تمخضت، ويمكن أن تنمو في اتجاه سلبي، عنها. على المستوى الوطني العام، تكمن خطورة مدلولات هذه التعابير كونها استخدمت من منطلقات طائفية، تضع الطائفة السنية برمتها، وفي الحدود الدنيا، ومن منطلقات ازدرائية، «تجمع الوحدة الوطنية» في خانة «الموالاة» التي تبلغ «الخنوع والاستكانة والانصياع»، وبالمقابل تصنف الجمعيات الخمس وفي بعض الأحيان السبع أو الست، ومن مدخل طائفي أيضا، في خانة «المعارضة والمواجهة والتحدي». وعلى نفس المنوال يمكن الحديث عن وسم الطائفة الشيعية، وفي الحدود الدنيا الجمعيات الخمس أو الست، بـ «الولاء للخارج». يكمن في ثنايا مثل هذا التقسيم القسري الخاطئ، إجحاف لتاريخ الطائفة السنية الوطني من جانب، وتشويه لتاريخ الطائفة الشيعية من جانب آخر، ومحصلة كل ذلك، زرع، واع أو غير واع، ورعاية ممنهجة لدى البعض، وربما تكون عفوية عند البعض الآخر، لبذرة الطائفية الخبيثة التي، شاء من يستخدم هذه التعبيرات أو رفض، لابد لها وأن تمارس دورها الطبيعي في تمزق المجتمع وتشظيه. هذا ما يدعو المواطن إلى عدم السكوت عن أخطاء أي من الفريقين، لكن دون استخدام أي من التعبيرين لوصف أي من الطائفتين، او الكتلتين السياسيتين، لما لهما من أضرار، تفوق في سلبياتها أية فوائد يتوهم من يستخدم تلك التعابير جنيها. على نحو موازٍ، أراد مستخدمو تلك التعابير أم أبوا، يسهل سلوكهم هذا إلحاق المزيد من الاضطهاد الذي يصل إلى درجة القمع لأفراد الطائفة الشيعية، ويضع بين يدي من يريد الأسلحة التي يبحث عنها من أجل إلصاق التهم الباطلة بها، كخطوة أولى على طريق مشروعات أكثر خطورة يسعى إلى عزلها في «غيتوات» مغلقة ليس بين أفراد الشعب البحريني المخلصين من يريد لها النجاح. الأسوأ من ذلك أيضا، أنها تؤدي، شاء من يروج لتلك التعبيرات أم رفض، إلى غرس فسائل (من فسيلة النخيل) المعارضة السلبية في صفوف الشارع السياسي البحريني، الأمر الذي يبني جدارا من القطيعة غير المطلوبة، بين المواطن من جهة والحكم من جهة أخرى، وهو حالة، وأدها المشروع الإصلاحي الذي قاده جلالة الملك، ويقف ذلك المشروع سدا منيعا أمام أية محاولة للعودة به إلى الوراء. ولتذكير من يصر على النسيان أو التناسي، كانت الركيزة الأساسية لذلك المشروع، بالإضافة إلى وأد «قانون أمن الدولة» السيئ الصيت، محاربة الطائفية، تعزيز روح المواطنة ونبذ الطائفية هذا على الصعيد الوطني العام، أما على صعيد الشارع السياسي المعارض الخاص، فتأثيرات استخدام التعابير أشد تدميرا، لكونها تدق إسفين الشقاق أمام أية محاولة تسعى لتشكيل أي هيكل سياسي وطني تنضوي تحت عباءته أطياف المجتمع البحريني، ويشكل، بفضل ذلك الالتفاف الرافعة التاريخية الحقيقية التي بوسعها تشييد الحاضنة السياسية الوطنية التي تضع حدا للشرخ الطائفي العمودي الذي يمزق المجتمع البحرين اليوم، وينذر بتوسعه مستقبلا. يضاف إلى ذلك يدفع استخدام تلك التعابير الذهن السياسي البحريني نحو الخمول والكمون، بدلا من الشحذ والإبداع، من خلال تسهيل أسباب حالة السكون التي يشهدها المجتمع البحريني اليوم، والتي تقف عثرة أمام تقدم المشروع الإصلاحي على الطريق الذي شيده قبل ما يزيد على عقد من الزمان. فبدلا من طرق الأبواب الجديدة، والبحث عن سبل بديلة، تنتشل البلاد من أزمتها، يكتفي الجميع باجترار تلك التعبيرات، واستمراء تبادل التهم، والاكتفاء بإلصاق النعوت ببعضهم البعض، والرضى بتوجيه اللوم للآخر وتبرئة ذمة «الأنا». كل يدفع كل سياسي يدعي وضع مصلحة البلاد فوق أية مصلحة أخرى، إلى إعادة النظر في العديد من مداخل القاموس السياسي الذي يستخدمه، وقراءة مفرداته بعين مختلفة، ومن زوايا منفرجة جديدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا