النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

هزائم الحوار وسيناريوهاته

رابط مختصر
العدد 8805 الاحد 19 مايو 2013 الموافق 9 رجب 1434

تاريخيا، وتقليديا أيضا، تهرب الشعوب المنهزمة من وطأة هزائمها باللجوء إلى واحد من أمرين، يتداخلان أحيانا. الأول هو إطلاق النكات اللاذعة التي يمتزج في مكوناتها الألم بالإحباط، وهذه الظاهرة سيطرت، على سبيل المثال لا الحصر، على الشارع المصري إثر هزيمة حزيران 1967، وبلغت أوجها، مما اضطر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إل مناشدة المصريين الكف عنها رفقا بالقوات، رجالا ومؤسسة. الثاني، هو الاستعانة بالسيناريوهات المختلفة، التي يقترب بعضها من روايات الخيال العلمي، لاتساع المسافة التي تفصلها عن أرض الواقع، وهو ما نشهده، ونسمعه اليوم على هامش «جولات» حوار التوافق الوطني، التي تباعدت وتيرة انعقاد جلساته، كتعبير ملموس عن حالة الهزيمة النفسية التي باتت تسيطر على المشاركين فيه، والمتابعين لوقائعه على حد سواء، إذ تسود الشارع السياسي البحريني اليوم حالة انهزام، راح يعبر عن رغبته في الخروج منها، بإدراك منه أو غير إدراك، برسم مجموعة من السيناريوهات المختلفة المتداخلة، التي تعكس في جوهرها حالة الهزيمة الذاتية المتولدة من المسارات المتلكئة التي بات يسير فوق قضبان سكتها الحديدية قطار حوار التوافق الوطني. الشيء المشترك بين الظاهرتين: التهكم اللاسع، والسيناريوهات المتخيلة، كونهما تستندان إلى حالة ملموسة هي تولد أزمة خانقة جراء تفاعل عوامل الهزيمة، بغض النظر عن مصدرها، خارجيا كان ذلك المصدر أم داخلي. ففي الحالة الأولى هناك الطرافة للترويح عن النفس، وفي الثانية هناك المساعي لوضع حلول تريح الذات. هذا يضع الهزائم التي نتحدث عنها في خانتين رئيستين: الأولى خارجية تنتج عن عدوان أجنبي، تقوم بها جهة معادية يصب في مصلحتها المباشرة انتشار أي من الظاهرتين أو كلتاهما معا. أما الثانية، فهي محصلة ذاتية نتجت عن تصادم قوى داخلية محلية، وصلت إلى حالة من التخلف المشوب بالعجز التي تحول دون الخروج من أزمة طاحنة تتربص بالبلاد المعنية، وتهدد مستقبلها. الأزمة التي تنهش قوى المجتمع البحريني، وتدفع المجتمع لوضع سيناريوهات البعض منها ملموس وربما قائم، والبعض الآخر مجرد تصورات محتملة لها، هي من الصنف الثاني، فالمصدر محلي داخلي، وعبر عنه الطريق المسدود الذي بات حوار التوافق الوطني «قاب قوسين أو أدنى» منه، ويكاد قطار، ذلك الحوار، أن يشارف على الوصول إلى نهاية مسدودة، بغض النظر عما يروج للمساحة التي يحتلها العنصر الخارجي. الظاهرة المتولدة هنا، هي «التسلي» اليائس الراسم لسيناريوهات محتملة تحمل في أرحامها أجنة الفشل الذي لا نتوقعه فحسب، وإنما نرى ضرورة التحذير منه، كون جميع تلك السيناريوهات المطروحة، بما فيها تلك التي لا نستبعد كونها حقيقية، لا تبشر بحل سياسي شامل ومتكامل ينتشل البحرين مما هي فيه. نتوقع الفشل لتلك السيناريوهات، الحقيقية منها وتلك التي رسمتها مخيلة المواطن، ارتكازا على الأسباب التالية: 1. الفهم الخاطئ الذي ينطلق منه واضعو تلك السيناريوهات، بما فيها ذلك السيناريو الحقيقي. إذ يبدو أن تشخيص الأزمة، كما يشاع، مصدره أخطاء فردية، وتجاوزات شخصية، الأمر الذي يخفي، بوعي أو بدون وعي، الحاجة الماسة الموضوعية إلى تغيير جذري يمس صلب النظام الذي يسير العلاقات السياسية الاجتماعية القائمة. وقطعا لأي تفسير يحاول ان يصطاد في الماء العكر، فأي تغيير ناجح لا بد له أن يكون تدريجيا سلميا، ينبذ العنف بكل أشكاله، وينطلق، في آن، من التحليل العلمي، البعيد عن أية انتهازية سياسية أو مراهقات فكرية، بما يكفل تكريس الشرعية السياسية القائمة، ولا يقوض أيا المؤسسات التشريعية والتنفيذية العاملة. 2. النهايات غير السليمة التي يطمح أي من تلك السيناريوهات الوصول لها، والتي تحصر نفسها، مرة أخرى وبشكل طفولي، في تغيير وزاري هنا، أو تعديل تشريعي هناك، أو أضافة قانونية بينهما. فما هو مطلوب أكثر تعقيدا، ومن ثم شمولية، من كل ذلك مجتمعا. فعلى الرغم من أهمية الأفراد والقوانين، لكن يفقد كلاهما تلك الأهمية عندما تخرج عن المنظومة التي تخضع للمعادلة الصحيحة التي تضع أسس آليات علاقة عادلة بين مكونات المجتمع المختلفة، وتسكبها في قالب سياسي/اجتماعي متحضر قادر على احتضانها، وتحديد المساحات السليمة التي تحافظ عليها، وتنظم التفاعلات المتوقعة بينها. 3. الوصفات المؤقتة الجزئية للمشكلات، التي ربما تنجح كمهدئات، لكنها لا تملك المقومات، ولا العناصر، التي ترقى بها إلى مستوى المعالجات (بكسر اللام). ويعود السبب هنا، أي اللجوء إلى مثل تلك الوصفات، إلى عاملين أساسيين: أولهما رفض المريض للاعتراف بحقيقة ما يعاني منه، أما الثاني، فهو خشية الطبيب من تجربة دواء لم يسبق له أن وصفه لأي من مرضاه، فيكتفي بالمسكنات التي فيها إرضاء للطرفين، لكن مآلها وفاة المريض، دون اتهام الطبيب. تأسيسا على كل ذلك، ومن أجل خروج سليم لا ينتشل البحرين من أزمتها التي تعاني منها اليوم فحسب، وإنما يحول، بدرجة كبيرة، دون وقوعها بشكل دوري غير متباعد، في أزمات مشابهة، حتى وإن اختلفت صورتها الخارجية، ينبغي أن تعترف مكونات الشارع السياسي البحريني، بمساهمتها، وإن كان بدرجات متفاوتة، في خلق تلك الأزمة، سواء بفضل أوهام ما عرف باسم «الربيع العربي»، أو الإصرار على الوقوف في وجه رياح التغيير الموضوعي الذي تفرضه قوانين التاريخ، وعوامل التطور. ومتى ما وصلت تلك المكونات إلى هذه القناعة، فلسنا بحاجة إلى سيناريوهات متعددة، ولا الوقوع في براثن حالة انهزامية، إذ سيجد الجميع أمامهم سيناريو واحد فقط، يقوم على فهم صحيح للأزمة، وتشخيص علمي لأسبابها، يحدد، في ضوء ذلك النهايات الصحيحة لها، ويضع الوصفات الملائمة التي تشفي من أمراضها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا