النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11087 السبت 17 أغسطس 2019 الموافق 16 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

حوار الحدود الدنيا

رابط مختصر
العدد 8788 الخميس 2 مايو 2013 الموافق 22 جمادى الآخر 1434

يندر اليوم أن يلتقي بحرينيان إلا ويكون موضوع الحوار ثالثهما، وعادة ما يستهل أحدهما الحديث بشيء من السخرية المشوبة بمسحة واضحة من المرارة، ونبرة قوية من اليأس. قبل يومين التقى مجموعة من البحرينيين المخضرمين، لو قدر لأحد أن يصنفهم سياسيا لوجدهم قريبين جدا من التيارات الجالسة إلى طاولة «حوار التوافق الوطني» الذي تنعقد جلساته في «مركز عيسى الثقافي» بالجفير. فقد كان بينهم معارضون مخضرمون، وأعضاء في السلطة التشريعية، وآخرون قريبون من الدولة. كما هو متوقع، استهل الحديث بعلامة استفهام مستنكرة الفترة الطويلة التي استغرقتها جلسات الحوار دون الوصول إلى نقطة اتفاق محددة، والتي وصلت إلى ما يقارب من الأشهر الثلاثة. وكان هناك ما يشبه الإجماع ان «ذلك لم يعد مبررا على المستوى السياسي»، بعدها انبرى أحد الجالسين كي يفاجئ الحضور، قائلا في استغراب تسوده موجة احتجاج «اليس هناك ما يمكن أن يتفق عليه المتحاورون، مثل حق المواطن المحتاج في الحصول، بغض النظر عن انتمائه المذهبي، إلى بيت يليق به ويأويه»؟ استرسل محدثنا في سرد قائمة من المطالب التي يمكن، من وجهة نظره، ان تشكل تلك الحدود الدنيا التي استعان بمشكلة السكن كمثال يؤكد ما ذهب إليه في استغرابه. حلقت علامتا استفهام وتعجب في أجواء المكان التي لم توقفهما سوى تلك المداخلة الساخرة المتهكمة التي لم تتورع عن اتهام الحوار «بالعبثية التي لا طائل منها». وتحمل المسؤولية المشاركين فيه، دون استثناء لأي منهم. بعيدا عن كل ما دار في ذلك اللقاء يبقى التساؤل قائما ويبحث عن إجابة ليس من جانب الأفراد المشاركين في الحوار، وإنما من القوى السياسية التي يمثلونها، والتي بات من مسؤوليتها التاريخية أن تمتلك الشجاعة الكافية التي يتوخاها فيها المواطن، فينبري من بينها، ويتفق معه الآخرون كافة، كي يرقى الجميع إلى مستوى المهمة الملقاة على عاتقهم، حيث لم يعد مقبولا أن يواصل الحوار دورانه في الحلقة المفرغة التي باتت تطوق عنق المشاركين فيه، أدركوا ذلك أم حاولوا نفيه. ولعل الخطوة الأولى على طريق انتشال الحوار من الحلقة المفرغة التي يدور فيها، وقادته إلى حالة الجمود التي يعاني منها، تكمن في توصل المشاركين فيه إلى قناعة ذاتية راسخة ان الوقت ليس في صالح أي منهم على حدة أولا، وليس في صالح البحرين، وهذا هو الأهم، ثانيا وليس أخيرا. فاستمرار الحوار وتمطيطه، يتناسب طرديا، ودون الحاجة إلى استحضار الدلائل، مع تعقده، وانسداد الطرق أمامه. ومن ثم، فكل تلكؤ لمسيرة الحوار، يعني مزيدا من التعقيد في طريقه التي يسلكها. يلي ذلك، إزالة المتحاورين من أذهانهم مقولة أن أي حل في البحرين، لا يمكن أن يرى طريقه إلى النور قبل أن تنجلي الأمور في الساحة السورية، فنتائج هذه الأخيرة، كما يرى هؤلاء، لا بد وأن تترك آثارها الواضحة على مسار الأحداث في البحرين، وفي المقدمة منها اتجاه حركة الحوار، والطرق التي سيسلكها، والنهايات التي ستؤول إليها نتائجه. في وسع، من يريد ان يبرر مثل ذلك الجمود، الذي لم يعد مبررا بأية مقاييس منطقية، أن يثبت أن هناك علاقة ما بين أية منطقة وأخرى في العالم، من خلال استحضار بعض الحقائق وتسخيرها في مجادلة منطقية صورية، لصالح ترويج تثبيت صحة تلك العلاقة، ومن ثم، فما ينبغي أن يدركه المتحاورون أن الحلول التي سترسى عليها سفينة الصراع في سوريا، سيكون تأثيرها لا يذكر أمام السلبيات التي سيفرزها بطء خطوات الحوار. وعلى هذا الأساس، على من يقف على قارعة طريق الحوار منتظرا النتائج السورية أن يغادر مواقعه، قبل أن تأتي رياح جمود جلسات الحوار فتقتلعه من مواقعه التي سيحاول حينها أن يتشبث بها. ثالث تلك الخطوات، هو أن يزيل أي من طرفي المعارضة المشاركين في الحوار، على وجه التحديد: الجمعيات الخمس، وجمعيات الائتلاف، من ذهنيهما، بشكل مشترك، أو كل منهما على حدة، احتمال استئثارهما أو أي منهما على حدة، بلقاء منفرد مع الجهات الحاكمة، تضمن له حصة الأسد في أية تسوية سياسية مقبلة. فمنطق الأمور يقول إن مثل هذا التوجه لم يعد قائما في حسابات تلك الجهات، ولا تبدو له أية ملامح ملموسة في توجهاتها. ومن ثم فإن أي رهان على حصان هذا الاحتمال هو رهان خاسر. رابع تلك الخطوات، هو التمعن، بجدية ومسؤولية، فيما قاله صاحبنا حول الحدود الدنيا المشتركة بين الفئات الأربع، وربما الفئات الثلاث الأخرى، إذا استثنينا الوفد الحكومي، الذي يمكن أن تجمع بينهم، وتقلص خلافاتهم، وتشكل نقطة البداية التي تقوم بإدارة المحرك، وتسمح للحوار بالانطلاق، ولو بخطوات بطيئة، لكنها راسخة، وتساعد على التقدم. فالجمود، في كل الأحوال، لا يزرع سوى اليأس، الذي يقود حتما إلى الإحباط، وعندما يتعانق اليأس مع الإحباط تكون العواقب وخيمة، إن لم تكن مدمرة بالمفهوم السياسي، لتلك الحالة. ليس من حق أحد ان يصادر طموح الآخرين في رفع سقف المطالب، لكن من حق شعب البحرين أن يناشد المتحاورين، أن يضعوا خلافاتهم الثانوية جانبا، ويتركوا أي شكل من أشكال الأنانية السياسية، ويضعوا مكان كل ذلك مصلحة البحرين العليا، وحقوق شعبها، فهي في نهاية المطاف، شاء المتحاورون أم أبوا، تتقدم كل المصالح الفئوية، مهما توهم أصحابها. مصلحة البحرين تلك التي نتحدث عنها، هي التي، إن صدقت نوايا المتحاورين، تشكل الحدود الدنيا المشتركة التي تناولها صاحبنا المخضرم سياسيا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا