النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

إسمنت التسامح!!

رابط مختصر
العدد 8782 الجمعة 26 ابريل 2013 الموافق 16 جمادى الآخر 1434

إذا كان من اليقين الثابت أن الإبداع والتجديد والإضافة لا يمكن أن يكونوا إلا نتاجا لعملية تلاقح الأفكار عبر تحاورها وتدامجها بشكل حر وديمقراطي في بيئة ترفل بمعطيات التنوع الثقافي وتؤمن بالاختلاف وتأمن له باعتباره أفقاً مفتوحاً على التعددية، فإنه من البداهة والمنطق أن يكون التشكيك والارتياب هما الماثلان في قدرة المماثل والسائد على القيام بمثل هذا الفعل. وفي اعتقادي، أن ثمة علاقة من اللزومية الشديدة بين التنوع بأبعاده الإنسانية العرقية والجنسية والفكرية كوضع طبيعي للوجود المادي بتلامسه مع حقائق الواقع وحرارة أنفاسه والاختلاف من حيث هو نزعة إنسانية تنشد الكمال وبلوغ الحقيقة من مداخل متعددة، إذ يستحيل قبول التنوع من دون التسليم بالاختلاف والإقرار بالتعددية، ذلك أن الاختلاف هو نتيجة طبيعية للتنوع، وقبوله والرضا به هو أحد أوجه نجاح الديمقراطية. ولضبط العلاقة بين التنوع والاختلاف، فإن رابطة أخرى ينبغي استلالها من جدلية تلك العلاقة، لإيجاد صيغة إنسانية تؤلف بين المتناقضات، وبهذه الصيغة أعني التسامح، تلك المفردة القادرة على حمل مجتمعنا البحريني على تجاوز صعوبات المرحلة السوداء في تاريخه والانتقال السلمي لفضاء الديمقراطية عبر الحوار بصفته الصيغة الأمثل لحل المشكلات، ولذا وجب تعميم ثقافة الحوار في كل مناحي الحياة. إن التنوع والاختلاف لا يستقيمان في المشهد الإنساني إلا مع تكريس التسامح قيمة إنسانية أساسية، يرتجع أمر غرسها وضرورة سيادتها إلى وزارة التربية والتعليم التي يقع عليها عبء إعادة قراءة المناهج من حيث الأهداف والمحتوى وأساليب التدريس والتقويم، وفق ما يتطلبه المشروع الإصلاحي لجلالة الملك في لحظته الأهم في تاريخ البحرين الحديث والمعاصر وخصوصا بعد أحداث الرابع عشر من فبراير 2011، وهذا هو ما تعكف عليه الوزارة وتعمل في سبيله متابعة في ذلك مسارات عمليات التطوير الشامل التي نهضت بها الوزارة مذ أدركت البحرين في التعليم مستقبلا للبحرين، وها هي تعكف الآن على مشروع الإطار التوجيهي للمنهج الوطني بدراسة سياقات تطوير المنهج راصدة متغيرات هذه السياقات ضابطة أبرز التغييرات الكبرى التي يتعين إدخالها على المنهج لتدارك الفجوة الناشئة بين المنهج القديم والمنهج المنشود. والدور نفسه ينبغي أن تقوم به باقي مؤسسات الحكومة الأخرى إعلامية كانت أو شبابية هذا دون التغافل عن مؤسسات المجتمع المدني التي عليها مجتمعة أن تتموضع في سياق التغيرات الكبرى التي يشهدها عالمنا اليوم وواقعنا الإقليمي والمحلي وتدرس خصائص هذا السياق لتعدل مسارات سياساتها وخطاباتها وأدوارها وتعيد النظر في إرثنا الشعبي المشترك الناضح تسامحا وتعايشا وتآزرا وإيمانا ببحرين واحدة ومتنوعة في آن، فتوظف مستخلص عموم الثقافة الشعبية على ما رحبت به من موروث شفاهي ومحكي، لتستثمر ما فيه من خزين متدفق لا ينضب من المعارف والخبرات التي تورد التسامح قيمة متناقلة جيلا بعد جيل أسهمت في وضع عتبات الأمان ليجتاز الآباء والأجداد مراحل ما كان لها أن تتم من فرط قسوتها. إن التنوع سمة دالة على الثراء الفكري ومجال ثري لخلق ثقافة متميزة، والتاريخ يعطي أمثلته الساطعة وأدلته الدامغة في هذا الإطار. وليست الحضارة الإسلامية إلا الأقرب مثالا والأكثر إرضاء وقبولاً في الوعي العربي الإسلامي، وان كانت أبعدها فيما يتعلق بالامتثال لمعطياتها الإيجابية والتشبث بعناصر القوة فيها. وما يثير التوجس ويبعث على القلق هو تمسك البعض بمعطيات من الحضارة الإسلامية مختلف عليها وفيها، ومحاولة بعثها من جديد حتى وإن كانت لا تستقيم مع منطق التطور ولا حتى هي وجه من وجوه السماحة الإسلامية التي احتوت أمما تفاوتت في سلم رقيها الحضاري. وهذا «البعض» وجد في تسييس الإسلام مطية ذلولا وسبيلا لإغراء العوام وشيء من النخب لتحقيق أجندات سياسوية حين نتصفح تجلياتها خطابا وممارسة ندركها أبعد ما يكون عن بنيان التآلف والتضامن والمواطنة الذي نجح البحرينيون في إعلائه جيلا بعد جيل بإسمنت التسامح ونبض القلوب التي تعزف في إيقاع واحد لحن البحرين الحية الأبية المنيعة أبد الدهر بأبنائها البررة وبآل خليفة الكرام. على أن التنوع الثقافي والزخم الحضاري الذي تحركت فيه الحضارة الإسلامية، معطية آخذة، أعطاها بين أمم الأرض أفضلية في العلوم والثقافة بمختلف تجلياتها. إذ ما من أمة حبست ذاتها في إطار محيطها الثقافي والإيكولوجي تحت شعارات عنصرية متعالية مثل المحافظة على العرق والنوع، أو بدواعي الخوف على الثوابت والقيم، تحت حس متوهم بأنها في مرمى مؤامرات الغير ومستهدفة بالكراهية من بين أمم الأرض، إلا وكانت الخيبة عنوانا لمنجزها، وبالتالي الضمور والتلاشي في بحر أوهامها. ولعل القارئ الكريم يستنتج مما سبق أن ثمة من يتقصد ثقافتنا وانفتاحنا وتنوعنا بالإساءة باعتبار أن ذلك التنوع والانفتاح نكوصا عن الخط العام الذي يرسمه البعض باللون الواحد وعلى الكل الالتزام به والانقياد لباهت نوره ومجهولات نهاياته. فإذا ما اتفقنا على أن الاختلاف سليل التنوع ينبغي قبوله، فإننا، بالتأكيد، سنتفق على أن التنوع هو حاصل موضوعي للتعدد الاثني والعرقي وبالتالي الثقافي، تلزمنا ضرورة العيش المشترك على أن نقبل بعضنا الآخر. وفي هذا الإطار فان الاختلاف بالضرورة ناجم عن مواقف ومرتكزات فكرية وأيدلوجية وفلسفية متباينة دفعت بها الحياة من واقع متغيراتها وبالتالي فهو إفراز دال على حيوية وديناميكية المجتمع الذي في مسار تطوره قد رفض ما يعرف بالواحدة الثقافية سمة الأنظمة الشمولية والثيوقراطية وأكسجين استمرار وجودها الذي عادة ما ترتهن له وتختبئ في دامس ظلامية نفقه القيم المجتمعية المراد تعزيزها وسيادتها. والمتأمل في الواقع الثقافي في المجتمع البحريني يرى عجبا، إذ الفضاء مفتوح لانهمار المعرفة من كل الثقافات وبشتى اللغات تحمل أفكاراً متنوعة، كانت البحرين على الدوام منفتحة عليها ولا تمثل جديداً إلا لكون المعرفة بذاتها متجددة، ولكنها لا تختزن في ذاتها قدرة نفي القديم، كالذي يجري مع العادات والتقاليد، ولكنها تبني على القديم جديدا، ذلك أنها على تماس مع حدود الحضارة وسقف الثقافة الذي وصل إليها شعب ما.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا