النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11087 السبت 17 أغسطس 2019 الموافق 16 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

حوار السفسطة

رابط مختصر
العدد 8777 الاحد 21 ابريل 2013 الموافق 11 جمادى الآخر 1434

تاريخياً ظهر مفهوم «السفسطة» في أواخر القرن السادس قبل الميلاد. حينها كانت الفلسفة اليونانية في أوج ازدهارها. وكما تقول المراجع الفلسفية فقد ظهر السفسطائيون في تلك المرحلة بوصف كونهم «ممثلين للشعب وحاملين لفكره وحرية منطقه ومذهبه العقلي والتوجه المذكور هذا هو الذي كلفهم كل ما تعرضوا له من هجوم حتى ليصدق القول بأن السفسطائيين كانوا من أوائل المذاهب الفكرية التي تعرضت للتنكيل والنفي والقتل لمجرد كونها تخدم مصلحة الضعفاء والمساكين». وكان الفيلسوف سقراط من أشهر الفلاسفة الإغريق الذين شارك السفسطائيين «الاهتمام بالإنسان وحده وبالمجادلة عن الآراء ثم خالفهم في أنه جعل قيمة الأشياء مطلقة وقد جعل جداله محاذيا للمنطق فامتاز عنهم في الجدل بأنه جعل برد السؤال بسؤال من جنسه ليثير التفكير في السائل ثم مزج الجد في الجدال بشيء من التهكم». ذلك نظرا لكون «غاية العلم عند سقراط هو إدراك ماهيات الأمور والأشياء كإيجاد حدود تامة تساعد الإنسان على أن يتبين معاني الأشياء في أوضح صورها ودقائقها». ومن هنا رأى البعض في ظهور المنهج السفسطائي في أثينا ما يشبه التزاوج الطبيعي والمنطقي بين «التطور الفكري مع الازدهار المادي ونشأ بينهما ما عرف بالديمقراطية الأثينية التي أتاحت لكل الناس ومنهم المواطن الأثيني العادي للمرة الأولى الفرصة لأن يشارك في الحكم أو على الأقل في تقرير مصيرهم من خلال الانتخابات التي كانت تجري لحكم أثينا، مما خلق التنافس الشديد بين الناس للوصول إلى الحكم». لكن السفسطة لم تعد اليوم كما كانت عليه في مراحل نشأتها المبكرة، حيث باتت نوعا من المحاججة. فقد وضع افلاطون السفسطائيين في فئة «المشعوذين»، واعتبرهم مجرد سطحيين «أصدقاء للمظاهر، غير مهتمين كثيرًا بالحقيقة؛ الأمر الذي يميِّزهم، بحسب أفلاطون، عن الفلاسفة». أما الفيلسوف العربي ابن رشد فقد وجد في السفسطة نوعا من «المغالطة و(وسم) القياس السفسطائي بالقياس المغلوط «. ويميز الفلاسفة بين السفسطة وبين المغالطة، فبينما نجد الأولى هي «الرغبة الإرادية في التضليل (لدى السفسطة)، بينما تبقى المغالطة لاإرادية». وبعيداً عن هذا المفهوم التاريخي للسفسطة، نجدها اليوم قد تطورت كي تكتسب تعريفا محددا يجعل منها «قياسا مركبا من الوهميات الغرض منه إفحام الخصم أو إسكاته»، أو كما يصفها البعض بأنها «الحكمة المموّهة»، أو «التلاعب بالألفاظ لطمس الحقائق»، أو حرف النقاش عن مساره الطبيعي والصحيح، والسير به في طرق ملتوية تحول دون وصول المتحاورين إلى الحقيقة التي بدأوا الجدال بحثا عنها. ومن أجل الوصول إلى أهدافهم يستعين السفسطائيون مهاراتهم اللغوية، ويستفيدوا، كل ما أمكن ذلك، بثرواتهم اللفظية، من أجل إفحام الخصم، والتغلب على المنافس، دون أن يعني ذلك الانتهاء إلى نتيجة مثمرة تحلق المتحاورين من أجل قطفها. هذه المقدمة التبسيطية المقتضبة لمفهوم السفسطائية كان لا بد منها من أجل استيعاب ما يدور اليوم على طاولة حوار التوافق الوطني الذي انتقلت جلسته من «منتجع العرين»، إلى «مركز عيسى الثقافي»، وفي ضوء التصريحات التي أدلى بها المشاركون فيه إثر خروجهم من جلسة يوم الأربعاء (18 أبريل 2013). فهناك من أكد على أنه كان يأمل في «ان تكون هناك انفراجات في جلسة الأمس، ولكن حصل العكس». وهناك من لفت إلى «أن الجلسة انتهت من دون أن يتم التوافق على آلية التعاطي مع مخرجات الحوار». كما اعترف أحد المشاركين في الحوار صراحة بأن وصول الحوار إلى ما هو عليه الآن مصدره «أزمة الثقة مع بقية الأطراف في قاعة الحوار، معتبراً أن عدم تحديد آلية التعاطي مع المخرجات، لن يمضي بالبلاد قدماً باتجاه حل الأزمة السياسية الراهنة». ومن بين الصيغ التي طرحت للمناقشة من أجل الوصول إلى توافقات بشأنها كانت «التوافقات التي تتوصل إليها الأطراف، تمثل اتفاقاً نهائياً ملزماً متكاملاً، يتضمن صيغاً لتعديلات دستورية و/ أو قانونية و/ أو إجرائية محددة، ويقصد بصيغ التعديلات الدستورية، تغييرا أو حذفا و/ أو إضافة على مواد الدستور». وهناك من عقب على هذه الصيغة، خارج الجلسة، قائلا بأن الخلافات كانت حول موقع «و» و»أو»، في مقترحات صياغات «من أجل الخروج بتوافقات بين الأطراف». هذه مقتطفات محدودة العدد من تصريحات إعلامية أدلى بها عدد من وهي إن دلت على شيء، فهي تدل على أن النقاشات انتقلت من مرحلة الحوار والجدل المجدية إلى مستوى السفسطة المنهكة. وفي هذا الكثير من المخاطر التي تنتظر البلاد، لعل الأشد خطورة فيها هو استمرار المواجهات الليلية، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وتفشي الأمراض الاجتماعية. الأمر الذي يقرع نواقيس الخطر هو أن هذه الحالة التي تسيطر على مسار نقاشات طاولة الحوار، ليست في جوهرها أكثر من انعكاس طبيعي مصغر للحالة العامة التي تعاني منها الأمة، فهي في جوهرها تجسيد حي للواقع السياسي، بل ربما يمتد كي يشمل الجوانب الأخرى من حياتنا بما فيها تلك الثقافية. ولربما آن الأوان كي يخرج من بين الصفوف فلاسفة عظام يضعون حدا لمثل هذه الحالة السفسطائية التي لم تعد مقبولة، ويضعون مكانها حالة حضارية متقدمة تتجسد فيها أرقى أشكال الحوار، وتسيطر على مجرياتها أفضل سلوكيات احترام الآخر والقبول به.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا