النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

حوار الشجعان

رابط مختصر
العدد 8774 الخميس 18 ابريل 2013 الموافق 8 جمادى الآخر 1434

في منتصف السبعينات من القرن الماضي، وقف رئيس منظمة التحرير حينها ياسر عرفات، رحمه الله، ولأول مرة في تاريخ الثورة الفلسطينية، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رافعا جراب مسدسه، مناشدا العالم أن يشجع الثورة الفلسطينية على أن تضع البندقية جانبا دون أن يعني ذلك انها تلقي بها بشكل مطلق، وترفع مكانها غصن زيتون. بهذا العمل كان «أبوعمار» يريد أن يقول لمندوبي شعوب العالم أجمع، نحن الشعب الفلسطيني، حملنا السلاح، ومازلنا قادرين على الاستمرار في امتشاقه، لكننا أيضا، وفي الوقت ذاته، لسنا كما تصورنا الدعاية الصهيونية تجار حروب، بقدر ما نحن حملة قضية، تدعو للسلام، وتناضل من أجل تجسيده على أرض الواقع. وعلى امتداد العشرين سنة التي تلت ذلك الخطاب الشهير الذي ألقاه أبوعمار في ذلك المحفل الدولي، لم يكف ذلك القائد الفلسطيني الشجاع عن محاولة العبور إلى فلسطين، حتى من ثقب الإبرة، الذي كان يرى من خلاله معالم القدس ماثلة أمامه، فكان توصيفه الدقيق لسلام الشجعان الذي سلك طريقه قادة تاريخيون من أمثال أبوعمار، وأبوجهاد، وخالد الحسن، وأبواياد، ورفاقهم الآخرون، دقيقا ويعبر عن شعار مرحلة كانت تمر بها الثورة الفلسطينية. وكما يشهد التاريخ، فإن الانتفاضات الفلسطينية المتلاحقة التي لم تتوقف منذ نهاية السبعينات، والتي أرغمت إسرائيل في مراحل لاحقة على تقديم الكثير من التنازلات لصالح القضية الفلسطينية، كن البنات الشرعيات لسلام الشجعان الذي قبل به أبوعمار. لسنا هنا بصدد تقويم مسار الثورة الفلسطينية، ولا حتى القيام بقراءة نقدية لمسيرة قائدها التاريخي ياسر عرفات، بقدر ما أردنا الإشارة إلى أن السلام، تماما كما الحرب، بحاجة إلى قادة شجعان، قادرين على أخذ زمام المبادرة، واتخاذ قرارات مصيرية، تقوم على السلام أيضا، وليس على المواجهة والصدام فحسب. تلك كانت مقدمة قصيرة مقتضبة، ترسم صورة معينة لا يستطيع أن يطردها من ذهنه كل من يتابع ما يجري على طاولة حوار التوافق الوطني البحرينية اليوم، وبالتالي فهي، أي الصورة، ترغمه على الاستدارة التاريخية نحو الخلف، وبعد أكثر من ربع قرن على توقيع أولئك القادة الشجعان الفلسطينيين اتفاقات أوسلو وملحقاتها، كي يستعين بذلك الدرس في مخاطبة جميع من يشارك في ذلك الحوار من أجل أن يتحلى بشجاعة الحوار المطلوبة، ويتخذ القرارات الصائبة التي، وحدها القادرة على أن تنتشل البحرين من أوحال مستنقع آلامها الذي تتمرغ فيه اليوم، ويعبر بها إلى شطئان السلام التي تحلم بها، وبأقصى سرعة ممكنة. وجردة سريعة للفرق المشاركة في الحوار تجعل من «جمعيات الائتلاف» أول من تقع على عاتقه هذه المسؤولية التاريخية، ويضع الثقل السياسي الذي يمثله أعضاء هذا الفريق الذين لم يعد أمامهم من خيار سوى تقدم الصفوف، والتحلي بصفات «حوار الشجعان»، تماما كما تحلى أبوعمار بسلوكيات سلام الشجعان، ويتقدموا بوثيقة تاريخية متكاملة تضع الجميع، دونما إرغام أو مزايدة أمام خيارات تاريخية صائبة، تضع الأمور في نصابها، وتنعم مكونات المجتمع كافة بحقوقها، وتضع قطار الحوار على سكته الصحيحة، ونحو وجهته السليمة. ثاني من ينبغي ان يلبس حلة حوار الشجعان، هم ممثلو الجمعيات السياسية الخمس المشاركة في الحوار، والتي قدمت الكثير من التضحيات على امتداد السنتين الماضيتين، ومن ثم فليس هناك من في وسعه ان يطعن في شجاعتها، لكنها اليوم، أكثر من أي وقت مضى مطالبة بأن ترتدي جبة حوار الشجعان، وتضع جانبا مخاوفها، التي لا بد من فهمها، وتقدم على طاولة الحوار قائمة المطالب المنطقية القابلة للتحقيق، والتي لا يستطيع أحد أن يشكك في قدرة الساحة السياسية البحرينية على تقبلها، آخذة في الاعتبار الظروف التاريخية القائمة، والعوامل الإقليمية المؤثرة. ربما آن الأوان لفريق الجمعيات الخمس أن يجرب شجاعة الحوار بعد أن سار في طريق شعارات اثبت التاريخ أنها ليست الأكثر مناسبة لهذه المرحلة. ثالث من لا يستطيع إلا أن يتحلى بقيم حوار الشجعان، هم ممثلو الحكومة، فعلى سواعدهم يقع تطوير بناء المشروع الإصلاحي الذي دشنه جلالة الملك في خطوة جريئة شجاعة غير مسبوقة في تاريخ المنطقة، وشبيهة بتلك التي أقدم عليها شيخ الكويت المغفور له عبدالله السالم. فلو لا هذا المشروع، الذي جاء محصلة طبيعية منطقية لتضحيات النضالات التي قدمها شعب البحرين، واستجابة مباشرة لنظرة مليكه الثاقبة المتقدمة، لما نعم الجميع بوأد «قانون أمن الدولة» السيء الذكر، ولما مارس الجميع نشاطهم السياسي في ربوع ذلك المشروع. من هنا تقع على الفريق الحكومي، هو الآخر مسؤولية القيام بأدوار حوار الشجعان. رابع فرق حوار الشجعان، هم أعضاء فريق السلطة التشريعية بحجرتيها، إذ يخطئ من يقلل من شأنهم على طاولة الحوار، بمكوناتها الأربعة القائمة، ومن ثم فهم مطالبون أيضا بأن ينضموا إلى حلبة حوار الشجعان، إذ تقع على عاتق المؤسسات التي جاؤوا كي يمثلونها تنفيذ نسبة عالية من مخرجات حوار التوافق الوطني الذي سيفقد الكثير من زخمه، فيما لم يطعم بمبادرات حوار شجاعة من لدن أعضاء هذا الفريق. حوار التوافق الوطني شرع الأبواب على مصراعيها، بغض النظر عن بعض النواقص التي لا يمكن أن يخلو منها مشروع مشابه، وهو الآن في أمس الحاجة إلى رجال شجعان كي يديروا دفة سفينته، والبحرين تغص بنسائها، قبل رجالها، من شجعان الحوار، الذين نتحدث عنهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا