النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

عن الجهل المقدس والفقر!!

رابط مختصر
العدد 8754 الجمعة 29 مارس 2013 الموافق 17 جمادي الأولى 1434

لم أكن لأعيد الحديث عن التقسيم الطائفي المتعسف للمجتمع البحريني الذي تعتمده الجمعيات الراديكالية بزعامة جمعية «الوفاق» منذ أحداث الرابع عشر من فبراير 2011 -ويمكن قبلها-؛ لتنسف بذلك تاريخا من التعايش المجتمعي الذي أسسه الأولون. إلا أن بعضا مما جاء في المقال السابق الذي نشرته في يوم الأربعاء الماضي وكان بعنوان «الأوصياء على الديمقراطية» يحتاج، كما رأيت من خلال استفسارات بعض القراء وملاحظات الأصدقاء، إلى شيء من التوضيح وبعض من الاستدراك، والإتيان بالشواهد التي تخدم الهدف الذي رميت إليه من ذاك المقال. ففي المقال المذكور تحدثت عما تشيعه الجمعيات الراديكالية وكتابها الذين نذروا أنفسهم للدفاع عنها حفاظا على استمرار تدفق منسوب «ثورة» لا وجود لها إلا في خيال متوهميها من أن المجتمع البحريني منقسم، كما يعتقدون ويأملون، قسمين في قراءة جوهر أحداث «الدوار» وفهم حقيقتها التي تفجرت في الرابع عشر من فبراير 2011. فنصف هذا المجتمع، بحسب تلك الجمعيات، ينشد الديمقراطية ويناضل من أجلها مضحيا في سبيل ذلك بمباهج الدنيا ومغانمها من أجل إنضاج «الوعي الثوري» لدى جماهيرها، وتتزعم هذا النصف في المحافل ولدى المنظمات الدولية «الوفاق» رضي هذا النصف بذاك أم لم يرضَ. أمّا النصف الآخر فلا تأتي الديمقراطية ضمن اهتمامه وإنما ينصب تفكيره كما تصفه قيادات «الوفاق» وكتابها «الأوفياء» لنهجها على الركض وراء المكاسب المادية التي عادة ما يطلق عليها «علفا» إمعانا في الاستهانة بالآخرين، وعلى كيفية الإثراء على حساب النصف الآخر «أبي الديمقراطية» وتاجها. تقسيم في حقيقته غريب، ولا يستدعي كبير فطنة أو عناء لاستكشاف تهافته، إذ هو فاسد ساقط من أساسه الهادم وحدة المجتمع المنكرِ خصائص المجتمع البحريني الذي لم أجد له من صورة أقرب من صورة القلب ببطينيه الأيمن والأيسر، ولم أجد لتاريخه العريق صورة أقرب من صورة الدم المتدفق من ذاك القلب ليهب الحياة للعالم كله. لقد أكد كثير ممن انخرطوا في الاحتجاجات والانتفاضات والثورات وخبروا تعرجات دروبها أنه لا يوجد وقود لتحريك البشر نحوها مثل الفقر والجهل وأحسب أنهم في ذلك لم يخطئوا؛ لأن الفقر والجهل هما الترمومتر الذي به يقاس استقرار المجتمعات ويُظهر مدى التنمية التي بلغتها هذه المجتمعات. ومن المؤكد بصفتنا نحن البحرينيين ننتمي إلى الشعوب النامية أن الجهل، رغم انتشار التعليم، قد بقي سيد الموقف لاعتبارات مذهبية طائفية غائرة في عمق حوادث التاريخ وتدثر بلبوس المقدس ليصبح بذلك سيف ديمقليس المتوعد للمجتمع كله بحجج التكفير والطرد من الملة وأحقية الانتساب إلى الرسول أكثر من الآخرين وغير ذلك من الحجج، وإذا ما أضفنا إلى ذلك تدني الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة فإننا سنحصل على الفقر نتيجةً، ونكون واقعا أمام مشهد يتوافر فيه الوقود اللازم لهذه الاحتجاجات، وهذا هو فعلا ما حدث في الرابع عشر من فبراير من العام 2011 . إن السؤال الذي تعنينا الإجابة عنه في هذا المقام هو: «هل أن توافر عنصري الجهل والفقر هما السبب الأوحد في تفجر الأحداث في العموم، أم أن هناك أسبابا أخرى كيفت هذه الجمعيات المتوافر منها لخدمة أجنداتها؟». لا شك أن الإسلام السياسي الراديكالي كانت له كلمته في مشهدنا الاجتماعي. وكان المشتغلون في الشأن السياسي والمنظرون له على اتصال بمجريات الأحداث. حسن نصرالله، أمين عام «حزب الله» قال لصحيفة «النهار» ذات يوم في عام 1986 «يجب أن نعمل على إنضاج الممارسة للحالة الجهادية، فعندما يصبح في لبنان مليونا جائع، فإن تكليفنا لا يكون بتأمين الخبز، بل بتوفير الحالة الجهادية حتى تحمل السيف في وجه كل القيادات السياسية». هذا التنظير، الذي تتشابه معه كل التنظيرات الحوزوية السياسية، والذي وجهه حسن نصرالله إلى اللبنانيين هو بمثابة الوصية التي التقطها رفاقه في المذهب الديني والسياسي، أي كل الجمعيات السياسية الراديكالية، ووظفوها في واقع يختلف كلية عن الواقع اللبناني. ولكي يصل صوتهم مجلجلا في المحافل الدولية أضافوا إليها مفردات مثل «المظلومية» و»الأكثرية» و»والديمقراطية» و»حقوق الإنسان»، ليعطوا تلك المطالب بعدا مدنيا تفتقر له كل الجمعيات الراديكالية المذهبية التي تنتمي، بطنا وظهرا، إلى «حزب الدعوة البحريني». إن تقسيم المجتمع البحريني بالشكل الذي أشرنا إليه ترجمة عملية تخدم نظرية أمين عام حزب الله حسن نصر الله، ووفق وصيته الثورية على الجمعيات الراديكالية أن توجه طاقاتها إلى خلق حالة ثورية، هي واقعا لا توجد، وإنما الحشد لها والتكثيف من الكتابة حولها هو ما تراهن هذه الجمعيات الراديكالية على وجوده مع الزمن. ولهذا أرى بأن العمل الجاد للقضاء على الفقر والجهل المتولدين من الإغراق في الحديث عن المظلومية التاريخية يمكن أن يسهم في تحجيم الحراك الطائفي ويجبر هذه الجمعيات على العودة إلى جادة العقل للاحتكام إلى منطقه ويعمل على تعديل المسار المجتمعي ليصبح التعايش قاعدته، وذلك بالعمل على دعم مسار تطوير مناهج التعليم لتكون المدرسة خزان مواطنة حقيقية وتشبع بقيم العقل وحرية التفكير، وتحسين الأوضاع المعيشية عبر الدفع بموازنة قادرة على رفع مستويات دخول المواطنين وعلى حل مشكلات السكن لديهم، وعلى دعم جهود تطوير البنية التحتية بما يوفر مناخا استثماريا ناجحا وفعالا. وفي اعتقادي أن العمل بجوهر المواطنة وحقوق الإنسان التي هي من صميم ميثاقنا الوطني ودستورنا العقدي لكفيل بجعل المساواة حاضرة وواقعا ملموسا يرتقي بقوة حجيته إلى حدود تلقم كل صياد فتنة في الواقع البحريني حجرا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا