النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

عبيدلي العبيدلي

الهــــروب نحـــــو الأمـــــام

رابط مختصر
العدد 8751 الثلاثاء 26 مارس 2013 الموافق 14 جمادي الأولى 1434

يستخدم تعبير «الهروب نحو الأمام»، كناية عن تحاشي من يواجه مشكلة ما معالجتها، والاستعاضة عن ذلك بهروبه نحو الأمام ملقيا وراء ظهره كل الإجراءات المسؤولة التي كان يفترض القيام بها لحل تلك المشكلات وإيقاف تداعياتها. ولا يقتصر الهروب نحو الأمام على المستويات الفردية، بل يتجاوزها كي يمس وبعمق طرق معالجة المشكلات المجتمعية، حيث نجد في الكثير من الحالات تخلي جهة مسؤولة ما عن التصدي لمشكلات تعصف بالمؤسسة التي تديرها، والعقبات التي تعترض طريقها، تاركة الحبل على القارب، الأمر الذي يقود إلى تدهور تلك المؤسسة إلى درجة تفككها، وفي أحيان كثيرة تحلل خلاياها. واليوم تشهد البحرين حالة هروب نحو الأمام تتجسد في معالجات جلسات حوار التوافق الوطني، فبدلا من أن تنصب جهود المشاركين في ذلك الحوار على القضايا الجوهرية الأساسية، بغض النظر عن مدى تعقدها، نجدهم، ودون أي استثناء، يتحاشون وضع تلك القضايا المصيرية على طاولة الحوار، والهروب عنها نحو الأمام خشية معالجتها واستبدالها بقضايا أخرى هامشية، أو لا ترقى إلى درجة الأولوية التي نالتها. تمظهرت سلوكيات الهروب نحو الأمام في مجموعة من السلوكيات والاقتراحات التي أخذ بها المتحاورون، يمكن رصد الأهم منها في النقاط التالية: 1. تشكيل الفريق المصغر بمسؤوليات محدودة، فعندما وصل المتحاورون إلى طريق شبه مسدودة حول المقترح الذي تقدمت به إدارة تنسيق الجلسات بشأن «رفع، أو عدم رفع، المخرجات إلى جلالة الملك»، هرع الجميع، وفي ذلك هروب واضح نحو الأمام، نحو باب «الفريق المصغر» الضيق الذي لا يمكن لتضارب أفكار المتحاورين أن تنفذ من فوهته الصغيرة. وسيكتشف المتحاورون أن ذلك الهروب لن يكون لهم مخرجاً عندما تعاد مخرجات ذلك الفريق المصغر إلى طاولة اللجنة الأم. 2. القفز المتكرر من وثيقة مقدمة من هذا الطرف السياسي أو ذاك، والعودة إلى واحدة، بعد زيارة إلى أخرى، دون الانتهاء من النقاط الواردة في أي منها. هذا الطواف المتكرر ذهابا وإيابا دون الإنجاز هو هروب نحو الأمام من التوقف عند أي من الوثائق المتفق على معالجة ما جاء فيها، واشباع موادها نقاشا حتى التوصل إلى توافقات أو عدم توافقات على ما ورد فيها من مطالبات أو مقترحات. 3. اللجوء إلى الإعلام، وعلى وجه الخصوص شبكات التواصل الاجتماعي، من أجل الاستعانة بها كوسيلة ضغط من طرف على طرف او أطراف أخرى من المشاركين في الحوار هو الآخر شكل من أشكال الهروب إلى الأمام، حيث يهرب ذلك المستعين بتلك القنوات الإعلامية، من مناقشة ما يواجهه به الآخرون من قضايا، لا يختلف اثنان على أن البعض منها شائك ومعقد، إلى تلك القنوات علها تساعده على الخروج من الدائرة التي تكاد ان تخنقه. ولذلك يجد من يتابع سير أعمال الحوار أن ما يدور من حوارات على تلك القنوات يكاد ان يكون بديلا لما يفترض ان تحتضنه طاولة الحوار الأصلية في «منتجع العرين». بشكل عام يولد الهروب نحو الأمام حالة سلبية، غالبا ما تقود إلى تعقيد القضايا التي يتم الهروب من معالجتها، وهو نهاية تتربص بمن يسلكون طريق حوار التوافق الوطني اليوم. ويمكن تلخيص السلبيات المتوقعة من هروب المشاركين في ذلك الحوار في النقاط التالية: 1. استمرار احتقان الشارع السياسي، دون إسقاط احتمال تنامي ذلك الاحتقان واتساع نطاقه، كي تنخرط في أتونه المزيد من القوى المجتمعية على المستوى الأفقي، وتنامي عنفه على الصعيد العمودي، ومن ثم فمن غير المستبعد مشاهدة المزيد ممن سيشاركون في اعمال العنف التي لم تتوقف في البحرين منذ ما يزيد على العامين، من جانب، وتنامي أشكالها وزيادة وتائر سرعتها من جانب آخر، مما يقود في نهاية الأمر إلى تعذر الوصول إلى حلول شافية لتلك الموضوعات قادرة على ان تضع حدا نهائيا يحول دون استمرارها دع عنك تكررها في المستقبل. 2. اتساع الهوة بين الأطراف المشاركة، بسبب سخونة النقاشات التي ستدور بين فرقائها، الأمر الذي سيقلص من فرص التوصل إلى توافقات فيما بينها، فكلما طال زمن المحادثات، كلما تشعبت القضايا التي تطرح على طاولتها، وكلما فتحت الأبواب التي تتسلل منها قوى أخرى ليست اليوم مدرجة على قوائم المشاركين. محصلة ذلك، شاء المشاركون في الحوار أم أبوا، هو حرف الحوار عن مساره الطبيعي، والزج به في متاهات حوارات ثانوية، تقود في نهاية المطاف، وفي أحسن الأحوال، إلى توافقات هامشية ليست تلك التي عقد الحوار من أجلها. في ضوء كل ذلك، ومن أجل ان يثمر حوار التوافق الوطني، ويضع الحلول الجذرية التي طال أمد انتظارها، ولم يعد في الوسع تأجيلها، ربما آن الأوان ان يتوقف المتحاورون نحو القضايا الرئيسة، ويكفوا عن هروبهم المستمر نحو الأمام، وعوضا عن ذلك يلتفتوا إلى الخلف، ويشمروا عن سواعدهم، ويضعوا جدول أعمال الحوار، وينطلقوا منه للقضايا الأخرى التي من بين الأهم فيها وأكثر استراتيجية هي الاتفاق على آليات ضمان تحول مخرجات الحوار من مجرد اتفاقات على الورق إلى حلول عملية قادرة ليس على انتشال البحرين من أزمتها الحالية فحسب، وإنما أيضا وضع صمامات الأمان التي تحول دون غرقها في مستنقع آخر في المستقبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا