النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

الوجه الأمريكي القبيح

رابط مختصر
العدد 8730 الثلاثاء 5 مارس 2013 الموافق 22 ربيع الآخر 1434

من الظواهر الثابتة التي رافقت مشاهد ما أصبح يعرف باسم «الربيع العربي» هو ذلك التدخل السياسي السافر، والعسكري المموه، للولايات المتحدة، في أحداث ذلك الربيع. سياسيا كما لمسناه في مصر وتونس، وعسكريا كما شاهدناه في ليبيا وأخيرا في سوريا. تحاول واشنطن من خلال هذا التدخل أن تكسو وجهها بمساحيق الطرف الرافض لظلم الأنظمة التي أطاح بها لك الربيع، ولا تتوقف عن دس نفسها، بشكل مباشر، في صفوف أطرافه المختلفة، وعلى وجه الخصوص تلك المنادية بإسقاط الأنظمة القائمة. قبح الوجه السياسي الأمريكي، لا تستطيع، وهذا الأمر تجهله او تتجاهله الولايات المتحدة، أن تخفيه مساحيق حقوق الإنسان التي تكسو ذلك الوجه، الذي لا يلبث أن تمسح عنه تلك الطلاءات كي يبدو الدور الأمريكي على حقيقته بشعا، بأسنان تتقاطر منها دماء ضحاياه من الشعوب، وعيون تخشى اكتشاف النهب الذي تمارسه واشنطن لاستنزاف خيرات تلك الشعوب وثرواتها. وللعرب تجربة قاسية مع ذلك الأمريكي ذي الوجه القبيح، تعود في جذورها إلى منتصف الخمسينات من القرن الماضي، عندما روجت وسائل الإعلام الأمريكية، وصدقها الكثيرون من العرب ان الولايات المتحدة اعترضت، ومن منطلقات مبدئية على العدوان الثلاثي الغاشم على مصر في ذلك الوقت، وادعت واشنطن انها لم تكن على علم به. حقيقة الأمر تقول إن واشنطن كانت على اطلاع بالعدوان من حيث المبدأ، لكنها ربما لم تكن تعرف بتوقيته على وجه التحديد. ويعود سبب عدم مشاركتها المباشرة فيه، انشغالها حينها في معالجة بما عرف باسم «ربيع بودابست»، وتركيز جهودها على الحيلولة دون تدخل السوفيات في مجريات أحداثه. هذا من جانب، ومن جانب آخر، وكما تقول بعض المصادر، «كان ايزنهاور كان يرى ضرورة استنزاف عبدالناصر ليسقط وحده، لأن المواجهة العسكرية ستجعل منه بطلاً للعرب». وهو امر أثبتته نتائج ذلك العدوان الثلاثي. كذلك لا ينبغي أن يغفل من يقرأ وقائع ذلك العدوان أنه في وقت حدوثه كانت هناك ملامح إعادة تشكيل خارطة التوازنات الدولية فى هذا الوقت كانت القوى والتوازن الدولي في أعقاب الحرب الكونية الثانية. وكانت القوتان الصاعدتان الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي تنسقان فيما بينهما لكنس الوجود الاستعماري القديم من المناطق الاستراتيجية مثل الشرق الأوسط. هذا إلى جانب أن الإتحاد السوفياتي كان حينها يحاول تثبيت علاقاته مع مصر، ولم يكن في مصلحة الولايات المتحدة أن تثير عقبات في وجه من تحاول ان تنظم علاقاتها معه، أي الإتحاد السوفياتي. ولعل أقوى دليل يكشف عن ملامح قبح الوجه الأمريكي ما كشفته صحف عريقة مثل اللوموند» الفرنسية، و»يونايتد ستيت آند وورلد ريبورت» الأمريكية، من ان «الإدارة الأمريكية لم تكتف بالمحاولات المحمومة التي قامت بها في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ـ في نوفمبر 1956 ـ لعدم وصف ما قامت به الدول الثلاث بالعدوانية، بل قامت ـ فور الانسحاب ـ بتقديم حجم كبير من المساعدات العسكرية والمالية، ليس لمصر المعتدي عليها بل للدول الثلاث المعتدية». هذا الدور الذي يجعل الحضور الأمريكي قائم في طرفي الصراع أصبح مكونا ثابتا من مكونات السياسة الخارجية الأمريكية على امتداد العقود الثمانية التي اعقبت الحرب الكونية الثانية، وما تزال واشنطن متمسكة فيه بغض النظر عن الحزب الذي يحتل كرسي الحكم في البيت الأبيض. فقد تكرر المشهد ذاته خلال الحرب الإيرانية العراقية، حيث لم تتورع واشنطن عند تزويد طرفي الصراع بالمعلومات والعتاد ومتطلبات الصيانة، كي تضمن إنهاكما في حرب ضروس تؤمن إضعافهما وإخراجهما من موازين قوى الصراع العربي الإسرائيلي من جانب، ولجم الدور الإيراني في الجمهوريات الآسيوية الغنية بالنفط من جانب آخر. وتعزيز الوجود الأمريكي وإحكامه في المنطقتين: الخليج والجمهوريات الآسيوية. واتبعت واشنطن ذلك بمشروع إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط من خلال الحروب المحدودة المتكررة في المنطقة، فكان الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982، ثم الغزو العراقي للكويت في مطلع التسعينات، واخيرا الغزو الأمريكي الكاسح للعراق في مطلع ها القرن. المؤلم في الأمر ان هناك الكثير من القوى السياسية العربية ما تزال تعول على الدور الأمريكي، وترى فيه عنصرا هاما وايجابيا في ميلان كفة صراعاتها الداخلية لصالحها وضد اعدائها ومن ينافسها، مستفيدة من بعض المكاسب المحدودة هنا، او بعض الانتصارات الصغيرة هناك، ويغيب عن أذهانها وهي في غمرة تلك النشوة المؤقتة والمحدودة، ذلك المشروع الأمريكي الخطير المحدق بأوطانها على المستوى الزمني الطويل، وعلى المستويين السياسي والاقتصادي الواسعين. من هنا، وكي لا تختفي عن أعين القوى السياسية التي ربما خدعتها تلك الطلاءات التجميلية التي تكسو ذلك الوجه الأمريكي القبيح، لابد لتلك القوى السياسية، معارضة كانت أم سلطات قائمة، أن تفتش عن الأهداف الحقيقية التي تكمن وراء أي اصطفاف أمريكي معها. بصمات الوجه الأمريكي واضحة المعالم على الكثير مما عرفته منطقة الخليج العربي خلال السنوات الخمس الأخيرة، وساذج سياسيا، ومخطئ وطنيا من يتوهم ان واشنطن ستقف معه عندما يتعلق الأمر بمصالح واشنطن النفطية في هذه المنطقة الغنية بمصادره. ويأمل المواطن الخليجي ان لا تكشف المصادر، لكن بعد فوات الأوان، أن الوجه الأمريكي القبيح، بأصابعه الآثمة، كان حاضرا في الصراع في معسكريه، يشجع طرفيه على التشدد والتطرف، كي ينهكا فتسقط ثمرة الصراع ناضجة، ليس في أحضان اي منهما، بل في فم الولايات المتحدة الواسع الشره، المتربص بهما، والمتهيء لها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا