النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

التسامح رصيفنا الآمن

رابط مختصر
العدد 8705 الجمعة 8 فبراير 2013 الموافق 27 ربيع الأول 1434

إنه لمن الصعوبة بمكان أن تقيم حوارا مثمرا مع كائن من كان وهو فاتل عضلات معرفته فيبدأ حديثه في تعال مستخدما مفرداته القطعية التي لا تقبل النقض، متوهما بأنه المرجع الوحيد الماسك مفاتيح الحقيقة كلها وأن ما عداه غر وجب عليه أن يقتفي أثره وينهل من أسرار معرفته التي ليس لها في مخياله المريض قرارا ويقتات من فتات سعة اطلاعه الكفيل بحل مشكلات العالم كلها. ومن هذه المفردات الباعثة على القلق لكثرة ما بات يستخدمها الجاهل أكثر مما يستخدمها العالم أو الخبير في مجاله، توظيفا للخوض في الحديث عن أي من المواضيع، «الحقيقة هي..»، «من الثابت أن..»، «»مما لاشك فيه.. «، «من المؤكد أن..»، «لاريب في..» أو غيرها من المفردات القطعية المنقوعة في ذات نرجسية مفعمة يقينا ومنغلقة على فكرتها التي نمت في بيئة محاطة بظروف موضوعية وذاتية تشكلت فيها الرؤية العامة لهذا الفرد أو ذاك في المجتمع. ولعل من بديهيات الاجتماع البشري في قوانينه العامة أن لا وجود لمجتمع متجانس بشكل مطلق حتى تغدو الآراء والرؤى متناسخة إلا في أحلام الفلاسفة، وإن وجد مثل هذا المجتمع، فإن ذلك مؤشر اعتلال وليس من سمات العافية. وعلى هذا فإن أي مجتمع إنما يكون قائما على التنوع والتعددية والتغاير، وضمن إطار هذا التعدد والتنوع والتغاير تتشكل الرؤى والأفكار وتنبني القناعات الفردية والجمعية وتنتظم التيارات الاجتماعية المتناقضة المصالح والأهواء في مسرد التعددية التي يتكون منها المجتمع، وهنا تظهر الاختلافات المطلوبة وتعدد زوايا النظر، وبالتالي يكون من غير المقبول استخدام المفردات القطعية التي تم الإشارة إليها في مستهل المقال؛ لأن جوهر هذا السلوك اللفظي إقصاء للآخر المختلف وإعلاء من شأن الرأي الفرد واختراق صارخ لقوانين الاجتماع. في ظل هذه التيارات الاجتماعية المتناقضة المصالح والأهواء يبحث المجتمع عن وحدته التي ينبغي أن يزيدها التنوع ثراء لتتحد، وليس لتنقسم وتتشتت، ومن هذه الوحدة يستمد هذا المجتمع أو ذاك ديمومة تطوره، وانعتاقته من إسار الواحدية الفكرية التي يحاول البعض من كل فكر أو إيدولوجيا أو دين إيجادها عبثا. وحريّ بالمجتمعات التي تتحلى بالتنوع الإثني والعرقي والمذهبي أن تتباهى وتتفاخر، ومجتمعنا البحريني هو أحد هذه النماذج من المجتمعات التي ينبغي عليها أن تستثمر هذا الخليط المذهبي والعرقي بإيجابية للنهوض بالوطن الواحد الجامع للكل، وترفد برامجها الاجتماعية والثقافية والفكرية من معين هذا التنوع، لأننا بذلك نراكم على ما غرسه الآباء والأجداد من قيم التسامح والاحترام؛ لنصل معا إلى ذروة مبتغاهم في تأسيس مجتمع السلم والمواطنة والرفاه. لقد أتاح لنا المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد بن عيسى حفظه الله في عمر سنواته التي تزيد على العقد بثلاث سنوات مساحات كافية من الحرية والديمقراطية، ولكن السؤال الأهم هو ما الذي أفدنا منه؟ فحرية التعبير، على سبيل المثال، متاحة وبثوب فضفاض، ولكن بدل أن نترجمها عملا في نشر التحابب واحترام الرأي الآخر والتسامح بين مختلف فئات الشعب وطوائفه توارينا انكفاءً داخل ذواتنا لنعبر عن رأينا بالعنيف من الكلام، ونحارب من يعبر عن وجهة نظره المغايرة للآخر، فبتنا لا ندخر كلاما في الخيانة والكفر إلا وألصقناه به. كما أن الديمقراطية التي ضحى الشعب، كل الشعب، من أجلها باتت محركة لكل المفاصل في كل المؤسسات، ولكن ما الذي حصدناه منها غير الطائفية التي أضحت ضاربة بأطنابها في مجتمع لم يألفها في تاريخه الوطني بعد أن أسس لها الإسلام السياسي، بمذهبيه، في تجمعاته وليأتي بها فيما بعد تحت قبة البرلمان، وبات التوجس والحذر من الآخر عناوين لمظاهر الحياة الاجتماعية، فمتى كان ذلك مقبولا لدينا؟! الرأي عندي أن ما ينبغي علينا فعله في مجتمعنا البحريني المتحاب احترام الحق في التنوع، أو إن شئنا الدقة تجاوز الأفكار المدخلة عنوة على مجتمعنا الذي كان متحابا، والتي تبوأ مهمة تشغيلها في المجتمع سدنة المذاهب الطائفيون والمشتغلون بالسياسة من ذات الطيف الذين لا يتورعون عن إلغاء الآخر في جحيم معاناته التي لا مسؤولية له عنها إنما وجد نفسه ذات لحظة طلق حتمية لا راد لها وهو ينبعث من رحم أمه ويطلق صرخته الأولى ينتمي إلى هذا المذهب أو ذاك أو إلى هذه الطائفة لا تلك وتحاول أن تنال من هذه القيمة الاجتماعية التي وجدناها إرثا عظيما خلفه لنا الآباء تحت وابل من الهجوم الطائفي النابذ للآخر والمستهين بالوطن لصالح الفكرة في حين ينبغي أن تطوّع الفكرة لتخدم الوطن. إن ما ينبغي علينا فعله للمحافظة على سلمنا الاجتماعي الضامن الأساسي للتنمية هو احترام هذا التنوع باحترام الرؤى المتشكلة في بيئتها. ذلك أن الرؤى، من حيث هي وعاء لمجموعة الأفكار المتجمعة المتبناة لمجموعة من الناس عبر اجتياز خبرات وتجارب حياتية، يرتبط تشكلها وتبلورها بظروف ومتغيرات زمانية ومكانية ونفسية. فالرؤى، بهذا المعنى، تتصف بأنها متحولة وغير ثابتة، وحيث إن الزمن في حالة تدفق غير منقطع عن المكان بصفته حيزا تتفاعل فيه العناصر المكونة للمجتمع، فالغرابة لتبدو في ثبات رؤى الناس وليس في تحولها انسجاما مع المتغيرات التي تجري في المجتمع. إن وتيرة التنمية تتسارع على كل الصعد في المجتمعات التي تنأى بنفسها عن التحرشات الطائفية والمذهبية، إلا مجتمعاتنا العربية الخانعة لمسلماتها الاجتماعية وقيمها التي تحقر الرأي الآخر وتراه منحرفا! فهي تأبى أن تتحرك في ذات الاتجاه وتصر على إخضاع أقلياتها تحت رحمة متبنيات أفكارها، لماذا؟ لأن لها، في اعتقادي، أولويات ويتصدر الخلاص من الآخر الوطني ونحر فكرته المختلفة، تلك الأولويات في أجندتها المجتمعية هذه والتي ما أن تنجز حتى تقفز أولويات أخرى، فإذا ما تم إنجاز هذه الأولويات كلها يأتي الدور على المختلف من ذات النسيج المذهبي أو العرقي الذي لا تنطبق رؤاه وأفكاره مع السائد من الأفكار. خلاصة قولي هنا هو إن المعبر عن مكنونات الأفكار، التي نطلق عليها رؤية الفرد إلى المجتمع والكون هو الرأي، فإذا ما استسفهنا هذا الرأي فما الذي يتبقى لنحترم؟ وينبغي القول إنه إذا ما تأسست قناعة احترام الرؤى المختلفة في المجتمع، فإن ذلك يقود حتما إلى إعطاء صاحب الرؤية حقه في إبداء رأيه انطلاقا من رؤيته لا مما يفرض عليه، وهذا لن يكون متحققا إلا في حاضنة التسامح، الذي كان دائما رصيفا آمنا لنا في البحرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا