النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

كي لا نخرج من الحوار بخفي حنين

رابط مختصر
العدد 8695 الثلاثاء 29 يناير 2013 الموافق 17 ربيع الأول 1434

من منا لا بعرف قصة الإعرابي والإسكافي حنين، والذي تحولت حكايتهما إلى مثل شعبي نكرره عندما نقول «رجع بخفي حنين» لوصف حالة الخاسر في صفقة أو مساومة. تحضرنا قصة حنين هذا ونحن نقترب من الحوار المرتقب، نحاول أن نستخلص منها الدروس والعبر. فقد خسر الإعرابي فرصة شراء الخفين من الإسكافي عندما حاول أن يتشاطر فيخفض من سعرهما، وكانت النتيجة فقدانه فرصة اقتناء الخفين وبالسعر الصحيح الذي قدره الإسكافي حنين بناء على قراءة صحيحة لأسعار السوق، فكما تقول الرواية «أطال الأعرابيّ المساومة حتى ضايق حنينا، وبعد مناقشة طويلة وعريضة، انصرف الأعرابيّ من غير أن يشتري الخفين، فغضب حنين، وأراد أن يغيظه، فراح ورمى أحد الخفين في الطريق التي كان سيسلكها الإعرابي»، الذي أبدى، عندما وجدها ملقاة في طريقه، أسفه من عدم جدوى خف واحدة، وتمنى لو كانت معها الثانية لأخذها، فتركها ومضى في طريقه، كي يجد بعد مسافة أخرى الخف الثانية، فركبه الأسف مجددا، وقال محادثا نفسه «لو اني أخذت الأولى لفزت بالخفين»، وعاد أدراجه ليلتقط الأولى، تاركا جمله وراءه، وكان حنين، كما تقول الرواية «يراقب الأعرابيّ من خلف تلّ قريب لينظر ماذا سيفعل. فلمّا رآه قد مشى ليحضر الخف الأول أسرع حنين وساق جمله بما عليه من بضاعة واختفى». رجع الأعرابيّ يحمل الخف الأول، فوجد الخف الثاني على الأرض ولم يجد جمله. حمل الخفين وعاد إلى قبيلته. سأله قومه: بماذا جئت من سفرك؟ أرى الأعرابيّ قومه الخفين وأجابهم جئت بخفي حنين! « ومن حينها تحولت القصة إلى ذلك المثل الذي نردده «رجع بخفي حنين». ليست هذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها النظام في مملكة البحرين خيار الحوار، كما أنها ليست المرة الأولى التي ترفع فيها بعض قوى المعارضة سقف شروطها قبل أن تبدي موافقتها على الجلوس إلى طاولة الحوار، تماما كما حاول الإعرابي ان يجادل ذلك الإسكافي حول السعر قبل قبوله الشراء، وكانت النتيجة ضياع الفرصة من أمامه. كرر الخطأ للمرة الثانية عندما لم يكتف بأخذ أحد الخفين، وارتكب الحماقة الكبرى عندما ترك جمله وعاد كي يأخذ الخف الآخر. ما تقوله الحكاية في اختصار أن عدد الفرص السانحة محدود، وعمرها الزمني قصير، وخاسر من تضيع عليه القدرة على اقتناصها. كما ان لكل فرصة ظروفها الخاصة بها، وعواملها التي تميزها عن الأخرى، والفائز الوحيد هو الذي ينجح في تشخيص تلك الظروف، واستثمار تلك العوامل، بما يحقق الأهداف التي يسعى لنيلها. نسوق تلك الحكاية، ونستحضر المثل الشعبي ذي العلاقة بها، لأن الحوار المتوقع يتيح امام الجميع فرصة تاريخية ربما لا تتكرر. فهو يأتي في ظروف بحرينية خاصة، وأوضاع إقليمية متميزة، مالم تدركها القوى المعنية به، فمن الطبيعي أن تضيع من أمام شعب البحرين فرصة تاريخية أخرى يصعب تكرارها. المطلوب هنا، من كل القوى ذات العلاقة، أن هي أرادت صادقة أن تضع مصلحة البحرين فوق كل مصلحة فئوية ضيقة أو مكاسب طائفية آنية، أو متطلبات حزبية هامشية بالمقياس الوطني العام، أن تقتنع، ومن منطلقات استراتيجية بحتة، أن باب الحوار، مهما كان ضيقا، وفوائده، مهما كانت محدودة، لكنهما يبقيان في نهاية المطاف، وفي الظروف الراهنة، أفضل السبل القادرة على انتشال البحرين من مأزقها التاريخي الذي تتمرغ فيه. وليس الاقتناع سوى الخطوة الأولى، التي ينبغي أن تليها خطوة استراتيجية أخرى، لا تقل أهمية عن تلك الأولى، وهي صياغة المطالب الوطنية الواقعية السليمة المنطلقة من تشخيص علمي لموازين القوى القائمة، في قالبها الصحيح الذي يؤهلها للتحقيق، والتي يمكن ان تلقى التجاوب من الأطراف الأخرى، كي يخرج الجميع، بتوافق وطني ينتزع البلاد من نفق أزمة خانقة، ماتزال تداعياتها القادمة أسوأ بكثير مما عرفناه خلال السنتين الماضيتين. ربما تبدو الظروف التي تأتي فيها هذه الدعوة قاتمة، وقد يعتقد بعض أطراف القوى المعارضة أن في ذلك مساومة «غير مشرفة» ربما تسيء إلى تاريخها، وتؤدي إلى أن تفقد رصيدها في شارعها السياسي، وهنا يبرز الفرق بين القيادات التاريخية، وتلك الطارئة، فالنوع الأول من القيادات هو الذي يستطيع أن يحول مجرى «مزاج الشارع السياسي الشعبي» من طريقه الخاطئ الذي تقوده نحوه عواطفه المتأججة، ويمكن أن يأخذه نحو الانتحار، نحو جادة أخرى تسيرها قوانين علم السياسة، وفقه التحليل البعيد النظر الذي يرى الأمور بخواتمها المستمدة من قراءة صحيحة لمقدماتها. ليس هناك من يجادل بشأن صعوبة المرحلة، ووعورة الطريق، ومشقة العبور، لكن ليس هناك من يختلف حول أن البحرين اليوم لم يعد في وسعها الانتظار مدة أطول، وأن استمرار الأمور على النحو الذي هي عليه اليوم إنما هو نذير شر بمستقبل مظلم، ومن ثم فربما يكون الجلوس إلى طاولة الحوار هو أفضل الخيارات المتاحة التي أفرزتها محصلة احداث العامين السابقين، دون إغفال للظروف الإقليمية المتفاعلة معها، والتدخلات الدولية التي رافقتها. لقد خسر الأعرابي جمله بما كان يحمله من بضاعة، ورجع من رحلته التجارية بلا شيء أكثر من «خفي حنين»، ولا أحد منا يريد أن تكون محصلة الحوار القادم «خفي حنين».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا