النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

حمد الرميحي.. تماهيات الذات والمسرح في خليجنا العر

رابط مختصر
العدد 8681 الثلاثاء 15 يناير 2013 الموافق 3 ربيع الأول 1434

الفنان المؤلف المخرج المسرحي المبدع العربي الإنساني الصديق الحميم حمد الرميحي، كون يوشك أن يكون خارج خارطة أناه الواقعية التي أنتجت رؤاه المسرحية، كون تقاطعت وتداخلت فيه حيوات لم تترك لأناه الواقعية سوى كائن دائب الشك في ملامحه وتقاسيمه القلقة والمضطربة وكما لو أن كل ما فيها يشي ويومئ إلى حالة من حالات التخلق التي تتجلى غالبا في فعل التجربة، في حيز المنجز الرجراج الذي يتكئ على نذر رملية.. فمنذ أن سبر الرميحي أعماق مجاهيل البحر في خليج الأساطير والمصائر المعتمة والمجهولة في مسرحيته (بودريا)، وهو يمضي على قلق كأن الطوفان تحته، بوصلته فكر شكله وعي جدلي مبكر بالحياة على صفيح تطفح وتتقلب على سطحه التناقضات والمفارقات التي يعج بها المجتمع العربي، ولنا في عناوين بعض مسرحياته أسوة، (موال الحزن والفرح) و(قصة حب بين طبل وطارة) و(القرن الأسود)، فكر يصوغه الرميحي بلغة هي في مجملها أقرب لقصيدة ملحمية تراجيدية ساتيرية مطولة، يكون الرميحي فيها الراوي والمروي، المغني والنهام والحادي، الكلمة الفعل، أبو حيان التوحيدي، العبدالعاشق المخصي، الغريب والمغرب والمغترب، العاقل والمجنون، الحلم والرؤية والرؤيا، كما كان في فيلته التي أعاد إنتاجها بعد تقاطع حواري وفكري مع الفيل يا ملك الزمان لسعدالله ونوس.. الرميحي هو والمسرح حالة عصية وإشكالية، يسهل الاقتراب منها في سرده الحكواتي الشخصي لها، ويصعب التماس معها حين تخرج من حيز الحكواتي الشعبي البسيط، ففي ثنايا وحنايا التجربة، يكمن الشيطان، وتكمن معه فخاخ وشراك المغامرة، وتتسع الخارطة ليتحول الرميحي المنتمي واللامنتمي في الآن نفسه، الواقف على ضفاف الخليج والشاطح في عذابات بغداد والأمة العربية في الآن نفسه، كما في أبوحيان التوحيدي والقرن الأسود والفيلة.. هذا المبدع المرتحل دائما نحو فضاءات قلقة ومضطربة، منح المسرح في خليجنا العربي حقنة حقيقية لعروبة المسرح في فضائها الإنساني الأوسع، فكان همه الأساسي وشغله الشاغل، قراءة الواقع العربي في مساحاته الانهزامية والغدرية والمؤامراتية والنضالية والمضيئة، بين عرب يتآمرون على عروبة وهوية الوطن العربي، وبين غزاة دخلاء على العرب وهويتهم، همهم طمر تاريخ هذه العروبة وهويتها، وبين مواكب ضالة مواقع دفن شهدائها كما في مسرحيته أبوحيان التوحيدي، وتجلت ساتيريا العجز العربي بوضوح أفضح في مسرحيته (موال الحزن والفرح) التي كان الكرسي المدولب بطلها الرئيسي، ولك أن تقرأ دلالات هذا العجز على الصعيد السياسي العربي.. وتأكيدا لهذا الهم العربي، غالبا ما يلجأ الرميحي وفي أكثر عروضه المسرحية إلى استضافة كوادر وطاقات وفرق كيروغرافية عربية، في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا، وكما لو أنه يطمح في تشكيل قراءات عربية متعددة في عرضه المسرحي أو يطمح في تشكيل فرقة عربية عجز عن تشكيلها والاستمرار فيها اتحاد المسرحيين العرب.. وتذهب جرأة وجسارة الرميحي إلى مناطق وفضاءات صعبة وإشكالية، خاصة في مساحات تجسيد نصوصه على خشبة المسرح، جرأة وجسارة نال منهما الرميحي ما نال من نقد وشتم واستنكار وصل إلى حد إقصائه، كونه أثار حفيظة من يطمئن للمطمئن وفق تقاليد مجتمعه وعاداته، ووفق الخامل الرقيب الرازح والراضخ على خلايا رأسه ومخيلته، وقد نضح هذا النقد البليد بوضوح أثناء عرضه لمسرحيته (القرن الأسود) في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديدا في مهرجان الفرق الأهلية لدول مجلس التعاون الخليجية، فقد أثارت مشاهد حب العبد لمحبوبته واغتصابه وإخصائه حفيظة هذا النموذج من الفنانين والنقاد، علما بأن الرميحي قدمها وفق جمالية لا تثير في رأيي أي تقزز، ممعنا من خلال هذه المشاهد في تعرية واقع أليم وسلطة قمعية، كان الأحرى بمثل هؤلاء الفنانين تأملها والوقوف أمامها بعين المحايد، وذلك أضعف الإيمان.. ولأن الرميحي واجه ما واجه من نقد تجاه هذه التجربة، لم يتمكن حلمه أن يقدمها في دولته قطر، وكما لو أن الرميحي يكتب أعماله لجمهور آخر خارج إطار دولته، وفعلا بعض المخرجين العرب خارج الخليج العربي تصدوا لبعض نصوصه المسرحية، فالرميحي يملك وعيا استثنائيا يندر أن يجاور تجربته ناقد أو مخرج أو مؤلف في قطر، فلا ضير إذن أن يكون الرميحي مؤلفا نصوصه ومنتجها ومخرجها في الآن نفسه، ولا غرابة في أن يكون الرميحي من أكثر المخرجين الخليجيين المعروفين والمقربين من المسرحيين وجمهور المسرح في الوطن العربي، لم لا، وهو الذي ما إن ينجز تجربة إلا واستضاف أصدقاءه العرب من الفنانين والنقاد المسرحيين ليكونوا بجوار تقييم تجربته المسرحية، ولتكون مسرحيته جزءا من همومهم العربية.. إن الرميحي لم تنصف تجربته نقديا في قطر، بل أن بعض من كان يكتب في حقل النقد في قطر، ظلمه وللأسف لأسباب تابوهات اجتماعية عقيمة، أبعد ما يكون عنها النقد بل حتى الانطباع العابر عن التجربة .. إن الرميحي يعتبر من أهم المسرحيين في الخليج العربي الذي امتزجت تجربته المسرحية واتكأت على ثقافة واسعة وخصبة، نهل من بحر التراث والتاريخ والأسطورة، وقرأها برؤية مسرحية فكرية مغايرة، كان السياسي فيها حاضرا بقوة ولكن وفق رؤية مسرحية يتجلى فيها المخيال الذي يصوغ التجربة من منطلق تعميقها وفتح آفاق واسعة أما متعاطيها ومتلقيها، كما كان بالمثل الحب حاضرا بقوة في كل مسرحياته، وهي ثيمة زاوجها الرميحي بالسياسة ليخلق منها فسحا آخر يتعالق مع روح التمرد التي تكتنز بها روحه، ونلحظها بجلاء في مسرحياته (القرن الأسود) و (حكاية طبل وطارة) و(أبوحيان التوحيدي)، كما منحت شاعرية الحب لدى الرميحي نصوصه جمالية وشفانية برزت وتجلت حتى في أحلك لحظات الشكوى والعذاب والاغتصاب.. لنا إذن أن نحتفي بالرميحي من خلال تجردنا تحررنا أولا من التابوهات التي تحكم ضلوعنا ورؤوسنا ومخيلتنا، وأن نقرأه من منطلق كونه مبدعا كتب نصه كأديب، وكتب نصه للعرض في الآن نفسه بوصفه كائنا مبدعا يتملك قدرة المحاورة مع مخيلته ورؤيته وإعادة إنتاجها للمسرح برؤية كاتب آخر، ولنا في جنونك الجميل أسوة أيها المبدع الذي شكل في خليجنا العربي أفقا إبداعيا ستنهل منه أجيال وأجيال، وكما لو أنك أيها الصديق الحميم خلقت للمستقبل ولجحيم الماضين في الوقوف ضد حركة عجلاته..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا