النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

إشكالية تطوير الخطاب النقدي ..

رابط مختصر
العدد 8660 الثلاثاء 25 ديسمبر 2012 الموافق 12 صفر 1434

النقد بطبيعته خطابا إشكاليا، ولا أعني هنا بالإشكالية طبعا، المفهوم السلبي السائد لمصطلح الإشكالية الذي يقع في فخاخه وشراكه كثير من النقاد والمنظرين، على أنه مشكلة تصيب الخطاب النقدي بخلل أو بعطب، وإنما أعني بالإشكال هنا، المصطلح التأويلي المولد من رحم التجربة مصطلحات متقاطعة ومتداخلة تفتح أفقا أرحب في مجال النقد وتأويله وتعاطيه على التجربة المنتجة أو المتصدى لها ، ذلك أن الخطاب النقدي تكمن إشكاليته الفعلية في كونه خطابا متعدد الخطابات والرؤى، وصادر عن قراءات ومتكآت ذات اندغام إشكالي في صلتها بالمعرفة وبالعلوم الإنسانية وبتطور الاتجاهات نحو البحث في عناصر النص ومنتجاته وضفافه، إضافة إلى صلتها بالفلسفة كرؤية عميقة للفكر والحياة في فضاءاتها الجدلية والمركبة والإلتباسية، خاصة ما إذا تعالقت هذه الرؤية بعلم الجمال الذي تستمد الفنون منه كينونتها وتجلياتها، ومنها فن المسرح الذي يختزل الفنون كلها ويشكل من خلالها فنونا تقترح رؤى جديدة وتقتضي خطابات نقدية إكتشافية لطبيعة ونوعية هذه الرؤى، ذلك أن فن المسرح فن حي، الكلمة فيه تتجسد والمكان والزمان لهما فضاءاتهما المتحولة والمتغيرة باستمرار، ومظاهر التلقي لها مكامنها الأنثربولوجية المتصلة بالإرث الإنساني بمختلف إشاراته وإيماءاته التاريخية والجمالية، لذا فإن الخطاب النقدي كما الفعل المسرحي، طبقات أشبه بطبقات الفلسفة الصوفية، تموت طبقة لتحيا طبقة أخرى، ومن هذا المنطلق فإن الخطاب النقدي خطابا إشكاليا بامتياز، ولإنه إشكاليا بامتياز فإنه يتملك قابلية التعدد في التأويل أيضا بامتياز، ولنا في هذا التصور أسوة بالنقاد والمفكرين في حقل التأويل والتفكيك والحفر الأركيولوجي «المعرفي»، من امثال لوران بارت وآن بروسفيلد وياوس وجوليان هيلتون وجاك دريدا وميشيل فوكو وكاتب قصة الفلسفة وول ديورانت الذي قال: «أن في الجمال آراء بقدر ما في العالم من رؤوس».. فإذا كان الفسح النقدي أمام منتجه وقارئه من خلال النص المكتوب متاحا وواسعا ولا يتوقف نظرا للكم الهائل من المنتج الكتابي الذي تضخه المطابع والمواقع الإلكترونية ، فإن هذا الفسح في مجال المسرح مقرون أمره بما ينتج فيه من عروض مسرحية نوعية تستثير قريحة الناقد أو القاريء للعرض المسرحي وتسهم في تشكيل رؤى نقدية باحثة ومغايرة وقادرة على تأسيس خطابات نقدية ذات صلة بالمنتج المعرفي، وذات إمكانية على إثراء التجربة المسرحية التي تتخلق في معمل المسرح، فهل هذا الفسح، الطموح، الحلم، له حضوره الطاغي أو الملحوظ، اليوم في مشهد مهرجاناتنا المسرحية الخليجية، أم تضاءل حضوره حتى بتنا نوشك أن نحضر مهرجانات ولا نرى مسرحا؟ أو نسمع جعجعة ولا نرى طحينا؟ نحاول أن نقترب من تشخيص مشهد هذه المهرجانات أكثر ومدى تأثيرها على الخطاب النقدي أو تأثير هذا الخطاب على ما تنتجه هذه المهرجانات، وأزعم بداية أن الخطاب النقدي ليس في الأساس نتاجا لمهرجانات مسرحية وإنما هو نتاج دراسات وبحوث وقراءات مستفيضة في المسرح بمختلف اتجاهاته ورؤاه، المهرجانات واحدة من البيئات التي يتعاطى الخطاب النقدي وجوده وحضوره فيها، وبما أننا بصدد مشاخصة حالة هذا الخطاب في حيز هذه المهرجانات، سنمعن التشخيص أكثر في كل ما يتصل ويتعالق بمنتج العلاقة بين الخطاب النقدي والعروض المسرحية في هذا الحيز .. العروض المسرحية في المهرجانات قاعدة، والنقد فيها استثناء، وما يوازي هذا النقد في استثنائيته هو العرض المسرحي الباحث، وقليلة، بل فريدة جدا هي العروض الاستثنائية الباحثة التي تجد لها حيزا مهما في هذه المهرجانات، إذ أن أغلب العروض المسرحية التي تتمشهد في المهرجانات، عروض مناسباتية، نتاج مقتضيات مهرجانية، وليست مؤسسة على رؤية باحثة واكتشافية تلامس فضاءات الخلق وتثير قلق منتجها وقارئها في الآن نفسه ، وإذا كانت هناك ثمة عروض مسرحية توازي في استثنائيتها الخطاب النقدي، فإنها قمينة بأن تكون مجذية ومولدة لقراءات متعددة وتأويلية تذهب بالخطاب النقدي نحو آفاق جديدة وخلاقة ومؤثرة وإشكالية، ولكن هذا الاستثناء في بيئتنا المسرحية الخليجية ليس مرشحا لأن يراكم ويستمر في تجذيه بحيث يتحول إلى ظاهرة تطغى بحضورها المغاير على مشهد المهرجانات المسرحية الخليجية، وبالتالي تصبح في موقع التحدي للخطاب النقدي الذي من شأنه أيضا أن يتحول إلى ظاهرة استثارية واستفزازية للمشهد المسرحي النوعي بشكل عام .. ولو أحصينا نماذج الخلق العرضي الباحث في مشهد المسرح في خليجنا العربي، لوجدناها فريدة ونادرة ندرة العطر في الزهور، ومن أهم هذه النماذج التي تجلى حضورها المسرحي النوعي الخلاق، المخرجين البحرينيين عبدالله السعداوي وابراهيم خلفان والكاتب والمخرج القطري حمد الرميحي، والمخرجين الإماراتيين ناجي الحاي ومحمد العامري والمخرجين الكويتيين سليمان البسام وفيصل العميري وعبدالعزيز الزامل وعبدالله العابر والمخرجين العمانيين جاسم البطاش وعماد الشنفري، وهي نماذج أخشى أن تكون مرشحة للتراجع والأفول، خاصة وأن بعضها اكتفى بتجربة أو تجربتين ومن ثم انكفأ على نفسه، وبعضها ظل يراوح في محطة التجربة الأولى، وبعضها ظل حبيس قلقه وأمله في عودة حلم حققه وكان له تأثيره الكبير على أجيال من الشباب، من أمثال المخرج عبدالله السعداوي.. ومن أهم نماذج النقد بتباين خطاباتها ورؤاها، وهي قليلة أيضا جدا جدا، الدكتور ابراهيم عبدالله غلوم والمتورط بالنقد كاتب السطور من البحرين، والدكتور علي العنزي وعلاء الجابر وسعداء الدعيسي من الكويت، وآمنة الربيع من سلطنة عمان .. وهنا أطرق أبواب التعاطي الباحث في مجالي العرض المسرحي والخطاب النقدي، ولا أتحدث عن التعاطي الأفقي غير الباحث والمؤسس على عرض التجربة أو توثيقها أو الاتكاء على معطيات تقليدية غير مؤهلة لأن تكون مكتنزة بقلق البحث والتحليل والتفكيك وطرح رؤية مغايرة تضيف لروح التجربة، عرضا ونقدا، أفقا إشكاليا وجدليا من شأنه أن يسهم في طرح أسئلة جديدة على لغة العرض والخطاب النقدي معا .. إن مشهد مهرجاناتنا المسرحية الخليجية توشك أن توميء إلى أننا نحتفل بعرض مسرحي واحد أو عرضين فقط من بين جملة عروض مسرحية كان ينبغي لها أن تكون في موقع الاحتفال والاحتفاء بها، ولعلني ذكرت بعض أسباب المشكلة ، ولكن هناك من يرجع المشكلة إلى غياب النقد المختبري الذي يرافق تجربة العرض المسرحي لا الذي يرصدها من بعيد، ولكن هناك مشكلة أخرى ذات فروع في رأيي يوعزها بعض النقاد إلى زملائهم في حقل المسرح وإلى الجهات المعنية بالمهرجانات المسرحية، وهي عدم الاحتفاء بالنقد والناقد في بيئتنا المسرحية الخليجية، فكيف يمكن لنا أن نطور حالة المهرجانات المسرحية نقديا إذا لم يتم الاحتفاء بالنقد؟ الخطاب النقدي تثريه الحوارات والسجالات النقدية المستمرة ، فهل هي موجودة في مسرحنا؟ كيف يتعاطى أغلبية مسرحيينا النقد في المهرجانات؟ هل يتقبلونه بصدر رحب؟ هل يحاورونه؟ هل يستجيبون لما يطرح من خلاله وبالتالي ينتقون ما يستحق منه لتطوير التجربة المسرحية؟ هل يستوعبون المسرح بما يكفي كي يستوعبوا ما يقترحه النقد عليهم من أسئلة وقراءات؟ للأسف الشديد، أغلب مسرحيينا في الخليج العربي ينتظر الناقد الذي يثني ويطبل لتجاربهم المسرحية، ينتظر الناقد الذي يكون في موقع أقل من القييمة النقدية ذاتها، بل أقل حتى من مستوى العرض المتورط بمليون مصيبة فنية، ينتظر النموذج الذي يقودهم لتخلف أكثر مما هم عليه وفيه، ولعلني لا أنسى الزوبعة التي أثار غبارها بعض المسرحيين والأكاديميين ومن عازتهم الثقافة المسرحية من الصحافيين العرب ذات مهرجان مسرحي أقيم هنا بالكويت، عندما حاولت الاستشهاد بدالة واحدة من دلالات سيمياء النقد على أحد العروض المسرحية المقدمة في هذا المهرجان، إذ قامت الدنيا ولم تقعد، وتجاوزت حدود اللياقة والأدب لتطال شخصي بدلا من الدالة والعرض والنقد، فهل يمكن لعرض مسرحي أن يتطور إذا كان وراءه مثل هؤلاء؟! النقد لا ينمو ولا يتشكل إلا في بيئة مسرحية تتملك قابلية الجدل والاختلاف حول ما يقدم فيها من عروض وخطابات نقدية، وأنا ازعم أن بيئتنا المسرحية في الخليج العربي أصبحت نظرا لتراجع أغلب مستوياتها الفنية، طاردة للجدل والاختلاف، ولا عجب إذا لجأ بعض النقاد إلا الاكتفاء بالتنظير في المسرح وخطاباته وأدبه، نظرا لغياب ظاهرة التخلق في مسرحنا، أو اضطر لأن يقصد بعض المهرجانات والمؤتمرات المسرحية النوعية التي تقام في بعض دول أوربا، كي يكون على تماس حي وساخن مع ما يقلق رأسه في فسح النقد وإشكالياته وتعدد خطاباته، وبالتالي يكون قارئا مميزا لهذه المهرجانات والمؤتمرات، أكثر من كونه مطابقا لما يحياه في تلك البيئة المسرحية الخصبة والخلاقة لعروض مسرحية وخطابات نقدية تنتج في بيئته المسرحية.. قد يطلق بعض النقاد والمسرحيين على هذا النموذج من النقاد بأنه مغتربا ومغربا عن بيئته المسرحية في الخليج ومتعاليا على ما ينتج فيها ، ولكن من حق هذا الناقد أيضا أن يطلق على هذه البيئة بأنها بيئة مسرحية مغتربة عن المسرح ذاته وما يستجد فيه وما يطرحه من أسئلة شائكة وإشكالية ومعاصرة، وأمام هكذا وضع ن ليس له سوى هذا الخيار أو التفرغ لدراسة وبحث تجربة أو تجربتين تنتجان في الخليج تتسقان مع ما يدور في رأسه من أسئلة نقدية.. الخطاب النقدي لا يتكيء على الخطاب الأكاديمي الذي يتبين في أغلبه مواطن منظمة ومرتبة ومتفق عليها سلفا في تناول العرض المسرحي، لقد سئم هذا الخطاب الدرس التقليدي للعرض المسرحي، سئم الخطاب العارف الذي لا ينتج أسئلة ولا يصدر عن قلق، سئم المطابقات التي تنطبق في مجملها على أغلب العروض التي يتم التصدي لها أكاديميا وعارفيا.. نحتاج في مهرجاناتنا المسرحية للعروض المسرحية التي تختبر وتبحث بجرأة ومعرفة ودراسة لغة الجسد وتجلياتها واتجاهاتها، والكيروغرافيا التي توشك أن تكون خارج الاهتمام في مسرحنا، والرؤية البصرية بتنويعاتها الجمالية، فهذه ركائز تكاد تكون غائبة ومغيبة في مسرحنا الخليجي، وإذا كان هناك ثمة اهتمام بها ذات فسح مسرحية مختبرية، لدى أسماء مهمة في مسرحنا الخليجي ذكرناهم في هذه الورقة، فإنها الآن في حيز الذكرى فحسب، أو يتم تعاطيها بشكل ساذج لا علاقة له بها أو بالمسرح نفسه .. وفي هذا الصدد، يهمني الوقوف بإيجاز أمام تجربة مسرح الصواري التسعينية خاصة، والتي شكلت حينها في البحرين، بل أزعم أيضا في الخليج والوطن العربي، منعطفا مهما على صعيد الرؤية المختبرية في المسرح، والتي قادها عدد من فناني المسرح المغامرين حينها، حيث شكلت وهجا استثنائيا في محاولاتها الدؤوبة والباحثة في إعادة إنتاج النص المكتوب والمعروض، وعلى صعيد التلقي أيضا، وعلى صعيد الحوار حول الاتجاهات المسرحية العالمية التي كانت تعضد بأفلام تدريبية لمختبرات بعض المخرجين المفكرين العالميين في مجال المسرح، من أمثال غروتوفسكي وبيتر بروك وجوزيف تشاينا وتادوش كانتور وغيرهم .. لقد طرق المسرح حينها أبواب الجسد والصوت والسينوغرافيا ، وحاول أن يشكل حينها ظاهرة مسرحية مهمة أنتجت أهم فناني المسرح والدراما الآن في البحرين ، كما تمكن هذا المسرح أن ينظم مهرجانا شبابيا سنويا يقدم تجارب مسرحية مهمة ، بعضها شارك في مهرجانات خليجية وعربية ودولية .. هذا الوهج الجميل الرائع نحتاجه الآن بشدة وبقوة في مسرحنا، مسرح الصواري، لأنه أيضا أسهم في تشكيلي كناقد وباحث ومخرج أيضا ، ولكني لا أعلم، هل سيعود هذا الوهج أم سيظل خافتا كما هو الآن؟ طبعا لا نريد ولا نود أن ينصرف نقادنا إلى التنظير من أجل التنظير بعيدا عن قراءة العرض المسرحي بسبب غياب العروض المسرحية النوعية التي نطمح دائما وأبدا إلى تحققها وتجسدها في فضاءات مسرحنا الخليجي، فالتنظير لذاته لا يخلق مسرحا، ونموذجنا بيان الاحتفالية الذي سبق العرض ولم يتجسد على صعيد واقع المسرح وغيره من بيانات مسرحية، وما «أشطرنا» في كتابة وصياغة البيانات وتشكيل هيئات وجمعيات النقد في كل مهرجان مسرحي يقام.. والنتيجة طبعا «صفر» .. ونظرا لغياب أو رفض بعض النقاد الدخول في لعبة التنظير على حساب التجربة، أسندت بعض إدارات المهرجانات الخليجية مهمة النقد والتنظير لبعض المخرجين والمؤلفين والممثلين، فتداخلت بذلك وارتبكت صور كثيرة في المشهد المسرحي وفي الخطاب النقدي، وبتنا لا نعرف إن كنا ما نصغي إليه شهادة تجربة أم قراءة من خارج المسرح أم أن النقد أصبح مستسهلا إلى هذه الدرجة من السذاجة؟ ويبقى السؤال: ما هي الركائز التي تتكيء عليها إدارات المهرجانات لاختيار العروض المسرحية كي تؤسس لخطاب نقدي مغاير؟ فالنقد بريء حتى إشعار آخر.. اين الدراسات التي قدمت في المهرجانات في كتب؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا