النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

من موت إلى آخر

رابط مختصر
العدد 8647 الأربعاء 12 ديسمبر 2012 الموافق 28 محرم 1434

لو أنك، من ناحية، سألت أحدا من الإخوان المسلمين أو السلف عن حل ناجع لكل ما تواجهه الشعوب العربية من كوارث اجتماعية وسياسية واقتصادية لأتتك الإجابة سريعة في لمح البرق «الإسلام هو الحل». وهذه الإجابة ليست مستغربة على أي حال، لأنها من منقولات إرث حسن البنا. وإذا كنا، بالتأكيد، لا نشك في مقدرة الإسلام على توفير الحلول لكثير من مشكلات العصر، فإننا نرى المشكلة كامنة في الإخوان والسلف أنفسهم، وأيضا في غيرهم ممن يفرض رأيه أو معتقده على الآخرين، إذ أنا قد صرت من المؤمنين بأن السلفية سلفيات، فكما توجد سلفية إسلامية أو إسلاموية توجد سلفية مار كسية وسلفية قومية، وقس على ذلك كل من لم يطور مرجعيات تفكيره وبقي ثابتا على الأفكار نفسها وأدوات التحليل نفسها والمواقف ذاتها من دون أن ينتبه إلى سيرورة التاريخ ومنطق التطور الطبيعي الكامن فيه. ولو طرحت من جهة أخرى السؤال نفسه خارج دائرة الإخوان والسلف لوجدت باقة من الإجابات المتنوعة التي درست الواقع العربي في شموليته الاجتماعية والعقائدية والسياسية والاقتصادية والفكرية. وأحسب أن المقارنة بين الإجابات مهمة، لأنك ستجد، لا محالة، صدى الماضي بكل موروثاته الفكرية كما أنك ستجد المستقبل متجسدا رغبة في التغيير، وشتان بين من يكون منطلقا إلى المستقبل وبين من يكون مشدودا إلى الماضي. إن مشكلة الإسلاميين في تقديري هي مشكلة تكييف لمرجعياتهم الدينية مع مقتضيات المواطنة والمدنية، وطالما لم ينتبهوا إلى هذا الأمر سيبقى مرورهم بسدة الحكم عنوان مرارة وخيبة ومعاناة، وليس المثل الحي بعيدا عنا فقد عانى الجزائريون من الإسلاميين حد الاحتراق وكفروا بهم ولم يكفروا بالإسلام. وقد سمعت يوما أحد مفكريهم يقول «الجزائريون على استعداد أن يحكمهم إبليس ولا أن يحكمهم الإخوان المسلمون مرة أخرى». لقد كانت تجربة الجزائريين مع الإخوان مريرة، إذ أنهم ظنوا وصولهم إلى الحكم تفويضا شعبيا لهم لإلغاء كل المكتسبات الحضارية التي حققها الشعب، ولذلك نجد هذا الشعب قد رفض الإسلاميين في الانتخابات التشريعية الأخيرة وزاد من تقزيم حجمهم في الانتخابات المحلية الأخيرة التي وُصفت بأسوأ ما حصل عليه الإسلاميون من أصوات رغم طبول «قناة الجزيرة» ونفيرها المهلل للإسلاميين. وفي هذا السياق شدتني إجابة مواطن جزائري على سؤال وجه إليه، وقد كان السؤال على هذا النحو: «ما الفرق بينكم وبين الإسلاميين؟» وقبل أن أحدثكم عن إجابة هذا المواطن الذي يبدو من إجابته أنه ليبرالي، عليّ أن أوضح لكم أن ذكر الإسلاميين هنا استعمل عنوانا جامعا للإخوان المسلمين والسلفيين، لكن تأملوا معي رده، ومن دون أن تأخذوا موقفا سلبيا أو إيجابيا، لقد قال، وأحسست من قوله بأن الزمن ليس زمنه بالقياس مع ما تشهده بلدان «الزلزال» العربي، ما مؤداه أن الفرق ببساطة يقع في الزمن لا غيره، إن الفرق بهذا المعنى يكون خمسة عشر قرنا. هذه الإجابة المختصرة الذكية التي تستشعر الفرق الثقافي الهائل بين من يعيش الحياة براهنية معطياتها الحضارية وبين من يقف عند زمن تقادمت فيه معطياته.... ولا يريد منه حراكا أو حتى فكاكا، أقول إن هذه الإجابة تحيلني إلى استعادة شريط أحداث «الزلزال» الذي عصف بالجمهوريات العربية، وفي بعضها لا يزال مستمرا والوقائع على الأرض تشير إلى أنها آخذة في الاحتدام، ومن الصعوبة أن تتنبأ بنتائجه كيفما كانت على البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وبالعودة إلى مصيبتنا العربية التي أسماها البعض «ربيعا»، وهي في الواقع زلزال مهول، نقول هل كان يمكن تجنب هذا الزلزال الذي عصف بـ«الجمهوريات» العربية، ولا يزال مستمرا في بعضها، وتشير الوقائع إلى أنه آخذ في الاحتدام؟ هذا سؤال ينبغي علينا البحث فيه لإيجاد صيغة إجابة عاقلة تفسر لنا الذي يجري. لماذا كان يجب علينا تجنب ذلك الذي حدث؟ ألم يكن الذي حدث أمرا محتوما بجدليات القدر، ووفقا لدفق المعلومات التي تتحدث عن الفساد والاستبداد والتوريث. إن التدقيق في هذه الأسئلة والبحث فيها أمر حيوي لتحديد معنى للأحداث، هل هي كانت حقا «ربيعا» أم «زلزالا»؟ من خلال ما تقدم وددت أن أطرح وجهة نظر شخصية حول مجموعة الأسئلة السابقة التي أعتقد أنها وليدة دهشة الأحداث لعلها تسلط بعض الإضاءات على ما يعمل عليه البعض، بدوافع شتى، لتكون الصورة على غير ما ينبغي أن تكون. ومن دون الدخول في غور التباسات واقعنا العربي، إذ أنني أردت أن يكون هذا السؤال وهذه الإجابة خاتمة للحديث عما هو الآن جار في هذه البلدان، لذا فإنني أقول بأن الذي حدث في تلك البلدان كان يجب أن يحدث، لأنه، كما سبق لي وأن بينت، أنه كان أمرا واجب الحدوث ومحتوما، فالفساد وإلغاء مؤسسات الدولة وتكييف القوانين وفقا لمصالح أفراد بعينهم وغلق جميع المنافذ أمام الحريات فرديها وجماعيها مقدمات منطقية لانفجار أو زلزال لا يهمنا الآن من القطرة التي أفاضت كؤوسه، لأن أصل الداء يكمن في الابتعاد عن مقولات الحوكمة والحكم الرشيد ابتعادا جعل دول «الزلزال العربي» تعاني ما تعانيه الآن من مخاض جوهر الصراع فيه بات بين مشروع يُعيد هذه الدول خمسة عشر قرنا إلى الوراء ومشروع آخر يتطلع إلى بناء مجتمع حداثي. وأتمنى شخصيا أن لا تكون الأحداث قد أيقظتنا من موت لتأخذنا إلى أسباب موت آخر أكثر إيلاما وتعذيبا مما واجهناه في مسيرتنا غير المظفرة، لأننا سئمنا دموع الخيبة وحسرات تخلفنا، وصرنا متشبثين أكثر من أي وقت مضى بقطع الطريق أمام دعاة الرجعية والماضوية يمينا كانوا أو يسارا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا