النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11025 الأحد 16 يونيو 2019 الموافق 13 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:15AM
  • الظهر
    11:38PM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

جمرة الروح.. رقصة على أوتار النفس المهزومة..

رابط مختصر
العدد 8559 السبت 15 سبتمبر 2012 الموافق 28 شوال 1433

في جمرة الروح نحتفي بالكاتب الفنان خليفة العريفي بوصفه راويا قبل أن يكتب روايته الأولى، راويا كتب المسرحية بوصفه راويا ومسرحيا في آن، وكتب الرواية بوصفه فعلا مسرحيا يستدعي سرديات بصرية تقتضي قراءة الرواية بوصفها مادة خصبة لتقاطع الفنون في أشكالها وأنواعها السردية والمجسدة في آن.. انطلاقا من هذا الإكتناز الجمالي المؤسس على تجربة وخبرة عميقتين كانت القصة القصيرة أولاهما والنص المسرحي متسعهما والسيناريو مداهما المفتوح على أفق لا يحفل بضفافه، استبر العريفي عالم (جمرة الروح) ليدشن عبرها نصه الذي لا يذهب للمسرود بوصفه نصا روائيا، وإنما بوصفه حالة أو مشهديات تقترح تأويلاتها المفتوحة على عوالم متعددة في فنون السرد والمسرح والصورة والوثيقة، هو باختصار يكتب إيقاع التجربة متكىء على تفلتاته وتشظياته ولحظاته الهاربة من نسيج المستقر والمتكامل والدائري والمحكم الذي غالبا ما يقترح على المتلقي للتجربة أجوبته الجاهزة .. في جمرة الروح يكتب العريفي الشعر بوصفه شاعرا، ليس في قصدية النص الشعري الذي تكتبه شخصيات الرواية فحسب، مثل زينب زوجة مبارك علي والصحفي والشاعر محمود السيد، وإنما نلحظ هذا الوهج الشعري أيضا في انثيالاته السردية في النص، ويكتب المسرح بوصفه مسرحيا وليس بوصفه ضيفا على النص، ونلحظ ذلك التجسد في مساحات متعددة في النص ولعل أبرزها سقوط مبارك علي بعد خيبته الكبرى في الوحل، إذ لا يمكن أن تقرأ المشهد دون أن تلحظ وبقوة مساحات التمحدث فيه، ويكتب السيناريو السينمائي ليس بوصفه إطارا عاما لمسارات الشخصيات والأحداث في النص، وإنما بوصفه صورا تتمرأى وتحتفي بحاسة العين أولا، ونلحظ ذلك ربما في أغلب نسيج أحداث النص، وخاصة في مشهد الخيانة مع صديقه خلفان العماني ومحاولات التطهر من هذه الخيانة بوصفها ذنبا كبيرا ارتكبه مؤازرا لعقدة الذنب التي لازمته منذ قدم اعترافاته قبل أن يخرج من السجن ويعيش السجن النفسي الأكبر بعدها، كذلك نلحظ مثل هذا التمرئي السينمائي في إقدام زوجته زينب على مغادرة الشاطيء والدخول في قلب البحر للإغتسال رغبة في مؤازرة تطهر وتكفير زوجها مبارك عن ذنوبه كلها، ورغبة عارمة في تجدد حياتها بعد ارتباطها بخالد سليمان، ونرى العريفي أيضا يحتفي بالوثيقة ليس بوصفها تسجيلا واقعيا لأحداث عاينتها وعاشتها الذاكرة، وإنما بوصفها محطات لارتحالات الذاكرة في النفس وانعكاساتها على كل الأحداث التي تنسل فيها شخصيات النص، بجانب كونها جمرة تتقد وتلتهب على تشظياتها الأحداث كلها .. فالعريفي إذ يرصد الزمن السياسي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فإنه يروم الإيغال في زمن الخيبات النفسية التي رافقت هذا الزمن السياسي، وما أفرزته هذه الخيبات من منعطفات وتحولات رجراجة لا تستقر معها حال زمنية واقعية، وبالتالي تمنح حضور وطفر توجساتها وهلوساتها وقلقها ومخاوفها ومعاناتها وحزنها ويأسها وبؤسها وحيرتها وعقدها اللامتناهية التي برع العريفي في فسح مجال كبير وإشكالي لجعلها محورا أساسيا يأخذ مقام ومكانة الشخصيات والأحداث في النص، تمنح هذا الحضور وهذا الطفر الطاغيين في وعلى جسد النص لأفضية دلالية تمنح النص نفسه أبعادا جمالية ورؤى تأويلية لا تستقر عند قراءة زمن بعينه وإن انطلقت منه .. ولنا أن نتوقف عند السقوط نفسه لنرى كم من الدلالات تشكلت و تتشكل على إثره، والوحل كذلك والخيانة وجمرة الروح التي لم يعلن العريفي موقفه منها، هل هي انتصارعلى السقوط في الوحل وعقدة الذنب أم هي إمعان في السقوط حتى ذروة ذرى الوحل والهزيمة والإنكسار واليأس ؟ هل اللجوء للدين والزهد انتصارعلى كبوات النفس أم بحثا عن قمع أكبر للذات والإرادة ؟ هل اللجوء لإشباع غرائز العاطفة والجنس حاجة مسوغة للتوازن والتوافق النفسيين، أم اختبار مقلق لحالة تجاوز الإخصاء النفسي لدى شخصيات النص؟ وتبرز أسئلة هذه الحالة بشكل فاقع في شخصية الشاعر والصحفي محمود السيد الذي آلت به حالة القلق العاطفي والجنسي إلى انعزال كلي عن الحياة، وفي شخصية مبارك علي الذي قاوم هذا القلق باستدفاء جسده بجمرة الروح التي طلقت كل الغرائز وباتت مبهمة الهوية، كذلك نلحظها عند خلفان الذي راح يرتع بغريزته الجنسية في دور البغاء عبثا ويأسا بعد أن أخصى سيده أجمل ما يكنه من حب لابنته، كما نلحظ مثل هذا القلق بشكل أقل لدى زينب ومريم ودلال اللواتي لا تستقر مشاعرهن عند ثقة بحالة عاطفية تروم الإرتباط الكلي .. إنه اليأس يلقي بظلاله كاملة على جسد النص، ومنه تتداعى دلالات الشخصيات والأحداث والمآلات .. وبالرغم من اكتظاظ النص بحالات اليأس والعنف النفسي، والتي غالبا ما تأخذ أو تقود متلقيها إلى مساحة المشهد الواقعي المرهق نفسيا، إلا أن العريفي يبث في شرايين هذه الحالات روحه الشاعرية والبصرية الشفيفة لنكون أمام حالة انتشالية معضدة بلغتها الجمالية التي تقاوم مآزق الإستسلام للمشهد الواقعي .. إن انثيالات وانبثاث مثل هذه الحالات المأزقية في جسد النص، نتلمسه أكثر في حوار الذاكرة التي لا تدع مجالا لانفصال ما سبق حدوثه عن ما يحدث الآن واللحظة، كما أن قوة فعل الحدث الذي مضى أو الفلاش باك توازي بل أحيانا تكون أقوى في فعلها من فعل ما يحدث الآن، لذا نلحظ ظلالات السجن الذي عاشه مبارك علي قوية في دلالاتها في مشهد الآن، إذ تتحول البلاد كلها في عينيه إلى سجن كبير، مثلما تتحول حالة زينب النفسية في بحثها عن زوجها مبارك وفي مقاومتها لمحاولات التحرش الجنسية من مهدي ابن الشيخ مكي إلى سجن نفسي كبير، كما نلحظ أيضا مساحات الزمن السياسي التي عاشتها الشخصيات أيام تشكل الجبهة الشعبية واتحاد الطلبة بالكويت وحركة العمال وأسرة الأدباء والكتاب، تأتي بوصفها قطارا يحرك مسار الشخصيات والأحداث، وإن انفصلت عنه بعض عرباته، فهي في نهاية المطاف نتاجا له، إما بوصفه مشكلا لهذا الزمن أم بوصف هذه العربات ضحية لانحرافات مساره .. العريفي في جمرة الروح ينحت النفس ويشكلها كما يشكل شخصياتها، ترى صورها ماثلة أمام عينيك وأنت تقرؤها، تشتم في تضاريسها رائحة القرية والمصنع والسجن والحانة والطرقات النتنة والوحل وبيوت البغاء والفقر والبؤس والبحر والريف والأزقة الموحشة ونزق المخبرين، إنه يعمل إزميله في جسد هذه الجمرة كي يهبنا روحا حية تتمرأى بكل تناقضاتها والتباساتها وتفجرات أحزانها وحرقها لتنأى بعيدا عن شكل النمط النموذجي الذي يمنح ذاته كاملا قبل أن تستقصي الحركة الأولى له فضاء النص .. قد تلتقي جميع الأرواح في مستنقعات الخيبة، ولكنها تختلف في صناعة خيباتها عن بعضها البعض، فلكل منها مساره وبيئته مهما تقاطعت هذه المسارات والبيئات مع بعضها البعض، فإذا كان مأزوم مبارك علي اعترافه على أصدقائه في السجن والخروج بكفالة الإستخبارات، فإن مأزوم محمود السيد يكمن في فشله العاطفي المتتالي، وإذا كان مأزوم زينب يكمن في صراعها المرير بين عادات القرية ومحاولة الخروج إلى حرير المدينة، بين بحثها اليائس عن زوجها مبارك علي والبحث في الوقت نفسه عن رجل آخر يشفي غليل أشعارها ومشاعرها القلقة والمؤرقة، بين انتظارها لهذا الزوج المجهول المكان وبين انتظارها لغودو مخلصها من الحيرة، فإن مأزوم خلفان العماني يكمن في مزاولة إخصائه النفسي بعد فشله العاطفي وطرده من بيت السيد، والمأزوم الأكبر في هذا النص هو انتهاء كل أحلام الشخصيات ناقصة .. الحلم بالحرية لم يتحقق، الحلم بالإستقرار العاطفي والنفسي لم يتحقق، الحلم بالعيش الكريم لم يتحقق، الحلم بالأمل السياسي لم يتحقق، الحلم بمطر ينهمر على النفوس فتغتسل بغديره وتمارس خصبها إثره وبعده لم يتحقق، الحلم بحضن دافيء وسرير وحب وشوق لم يتحقق، كل شيء يتساقط وينتثر كحبات المسبحة قبل أن يكتمل الحلم، وكما لو أن العريفي في تداعياته لهذه الأحلام الناقصة أو المبتورة يشي بانهيار وطن قام على عاتق مناضلين دفعوا هم به قبل غيرهم إلى هاوية السقوط .. ولعل هذه الواردة الشعرية السائلة والقلقة التي أطلقتها زينب ذات قلق : «أليس الإنتظار أغنية بطيئة الإيقاع مجهولة المعنى ؟ « تتماهى في حيزها أغلب شخصيات النص، ويتمحور فيها هذا التأويل ( الأحلام الناقصة والمبتورة ) .. العريفي إذ ينحت بإزميله الإبداعي جسد النص بشخصياته ونفسياتها وأحداثها وأزمنتها و أمكنتها، فإنه بالبراعة والقدرة ذاتهما ينحت كلماته وأسئلته المؤرقة، ولعل أصعب الكلمات وأكثرها جمالية تلك التي تقفز لحظة قرائتها تلك الصور الخبيئة عن عينيك ومخيلتك.. وما أجمل هواء الحرية الذي بثه العريفي في مستهل روايته في أرواحنا لحظة خروج مبارك علي من السجن، ليدفعنا بعدها لاستنشاق هواء ملوث نتن، يقود الشخصيات كلها في نهاية المطاف إلى حالة من الإختناق شبه الجماعي، وبالجمال نفسه الذي تستنشق فيه هواء الحرية، تتقصى فيه عبر نحته للغة مآلات هذه الحرية الخدعة الكارثة .. في جمرة الروح استوقفني العريفي وأذهلني في الوقت نفسه، في قدرته اللغوية والسيكلوجية الهائلة في نحت شخصية المرأة، وخاصة زينب، فقد تمكن العريفي من إبراز كافة تفاصيل حياتها الأنثوية وحنانها وسلوكها في مواجهة من يحاول التحرش بها، وطبيعتها القروية وكيفية تحفظها النابع من طبيعة شخصيتها، ورهافة مشاعرها والتي تتجلى خاصة في قصائدها التي تبث من خلالها لواعجها و ووحدتها توقها لمن تحب وتفاصيل أخرى، تبدو وأنت تقرؤها وكما لو أن من نحت هذه الشخصية امرأة كاتبة وليس رجلا .. وبالتأكيد هذه القدرة لا تنبع إلا من دراسة طويلة وعن كثب لهذه الشخصية الأنثى المركبة .. لقد منحنا العريفي جمرة روحه في هذا النص ليشعل فينا أسئلة الواقع والذاكرة والأزمنة المتداخلة .. باختصار .. هي جمرة جديرة بأن نستدفيء بمحطاتها المشتعلة والشائقة ..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا