النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

.. بل كوكبـــان يا شـــيخ!

رابط مختصر
العدد 8544 الجمعة 31 أغسطس 2012 الموافق 13 شوال 1433

وُصِفت تغريدة الشيخ خالد بن أحمد وزير الخارجية بأنها قسمت المتابعين لها على «التويتر» قسمين: قسم مؤيد وآخر منتقد، فيما هي في ظني لم تفعل ذلك في الواقع؛ لأن هذا التقسيم متحقق على الأرض ولله الحمد والمنة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتلوث السماء البحرينية بروائح هبوب رياحها الطائفية الكريهة! ولعل الفطنة لا تنقصنا كي نتبين المؤيدين، كما لا يغيب عن بالنا توضُّح المنتقدين قبل أن ينتقدوا مهما حلك ليلنا. وصفة المنتقدين هنا كلمة مخففة لمواراة المعنى الحقيقي لها وهم الرافضون للعيش المشترك، وما فعلته هذه التغريدة حقيقة هو أنها أظهرت بشكل واضح وجلي مدى التشوه القيمي والأخلاقي الذي لحق بمجتمعنا البحريني جراء أسباب لا يختلف عاقلان في تحديد هوياتها وأبعادها التي اقتنصت متغيرات جغراسياسية لتغرس أنيابها في جسد جاهد الأجداد في تحصينه بأمصال مناعة ضاربة في أعماق الأصيل من القيم الدينية والإنسانية الخالدة. ولعله من المفيد أن نستعيد هنا ما قاله سعادة الوزير خالد بن أحمد لنقرأ محمولات تغريدته في سياقها الإنساني الداعي إلى الوحدة الوطنية والحفاظ على النسيج الاجتماعي، «السنة والشيعة إخوة في الدين الإسلامي الحنيف.. ومن يرى غير ذلك فليكف شره عنا ويذهب إلى كوكب آخر». فهل في هذه العبارة ما يستحق أن تتأطر من أجله الناس جماعات تشن هجوما على قائلها؟ أين المشكل في أننا إخوة في الدين الإسلامي؟ ألم نكن نحن دائما في البحرين إخوة؟ ألم نضق نحن ذرعا فعلا بهذه الطائفية التي نرى بأم أعيننا أنها تتغول في نسيجنا الاجتماعي بشكل ينذر بصدام محتوم لا قدر الله وليس في وسعنا وقف هذا التغول؟ ألا تختزل هذه التغريدة في ذاتها منظومة القيم التي نشأ من رحمها الجسد البحريني الواحد حيا نابضا بقلب بطيناه الأيسر والأيمن سني وشيعي؟ ثم أليست الدعوة التي تضمنتها لاستبعاد شر العمى عن كل متعاط مع الواقع البحريني تجسيدا حيا لآمال جماعية يحركها رجاء رتق الفتق الذي أحدثه الطائفيون المذهبيون في نسيج حاكت تآلف عناصره آلاف السنين؟ دعكم سادتي القراء مما ينشط على زرعه المذهبيون في الطائفتين الكريمتين من فرقة وتناحر وتصوير للمجتمع البحريني انه ساحة حرب للطوائف. ولنتفق على أن الأزمة الحالية زرع بذرها المذهبيون الطائفيون من آل السنة والشيعة ليستثمروه حصادا أراه بعين القراءة الموضوعية لواقعنا البحريني شوكا في عيونهم وفشلا ذريعا لن يغنم منه إلا المجتمع البحريني مناعة إضافية وخلاصا نهائيا من تجار الدين زراع الفرقة المذهبية. شخصيا أشاطر رأي الشيخ خالد بن أحمد ولكني أقول إن المنتقدين أو المعترضين على العيش المشترك من الطائفتين هم بحاجة إلى كوكبين وليس كوكبا واحدا؛ ليعيشا منفصلين وإلى الأبد محافظة على الكرامة الإنسانية واحتراما لخيارات الناس، وأؤكد لك يا سعادة الوزير أن الكوكب الواحد المفترض لن يفرش لهم السجاد الأحمر؛ لأنه ببساطة سيرفض استقبالهم لسوء مسلكهم التعايشي على كوكب الأرض. أما نحن الذين نرتضي التآلف والعيش معا وفق معادلة المواطنة المتساوية فقدرنا أن نبقى عند قيم وأخلاقيات آبائنا وأجدادنا ما بقيت فينا ذرة وفاء لهم ولهذا الوطن المعطاء. التغريدة وبكل ما تتصف به من وضوح المقصد لا تحتمل التأويل، وهي وإن كانت قد أثارت كل هذا اللغط فإنها تجهر علانية بقول بليغ يرفع إلى مسامعنا الحاجة الفعلية إلى البحث عن علاجات عاجلة تتعامل مع حالة مستجدة بدأ طفح قيحها يبرز مع «الدوار» منذ الرابع عشر من فبراير. في هذا السياق فليعذرني القارئ الكريم بالعودة إلى مقال لي سابق لأستل منه هذه الفقرة التي ذكرت فيها: «لن يقول الطائفي إنه طائفي، وذلك بسبب أن الطائفية لا تأخذ صفة حميدة وبالتالي لا يفخر الإنسان بادعائها. ولذلك تراها ذمة كل يلقي بها على الآخر، وهذا الآخر المجهول يمارسها بأريحية مطلقة. ومهمتنا نحن في المجتمع الكشف عن هذا المجهول الذي يمارس الطائفية وتعريته مهما بلغ من الإيمان المصطنع أو تخفى برموزه الدينية». فهل مازلنا فعلا نجهل من هو هذا الطائفي؟ لا نخادع أنفسنا إذا ما قلنا إن الطائفية أضحت هي السمة الظاهرة لمجتمعنا وإنها باتت تقتضي منا العمل المثابر على استئصالها بعلاجات تستمد قوتها من برامج اجتماعية وتربوية وإعلامية مدعومة من الحكومة ومن مؤسسات المجتمع المدني ومن كل بحريني آمن بالمواطنة قدرا لهذه البلاد وحصانة حقيقية ضد كل المعادين لهذا المنوال المجتمعي المتفهم لادعاءات جوفاء سيست بها العوام في معركة وهمية لا رابح فيها إلا من فوضوا أنفسهم ناطقا رسميا باسم السماء وخازنا جديدا من خزنة جنة فصلها الكهنة الجدد بمقاييس طائفيتهم فإذا بها مسخ هجين شتان بينه وبين ما أقيم عليه الإسلام الحنيف من أبعاد إنسانية جعلت كوكب الأرض موئلا قابلا للعيش المشترك. ولو أننا قارنا ما كتبه الشيخ خالد مع ما يكتبه من تنز مقالاتهم دما مذهبيا وقبحا قيميا في الصحافة المحلية وفي مواقع التواصل الاجتماعي لوجدنا حجم الحاجة التي يتطلبها إصلاح ما دمرته الأحداث منذ أكثر من سبعة عشر شهرا. وبسبب انكسارات النفس وعدم الفهم لكل ما يجري على الساحة الوطنية، وجدت نفسي أعيد قراءة نص شعري يُتداول بين الناس هذه الأيام، وهو نص لكاتب عراقي مجهول اسم قائله، قصد فهم حالة العرب العامة التي صورها الشاعر ووضعت صورة ما آل إليه مجتمعنا محل صورة العرب العامة في هذه الصورة الشعرية تخفيفا من أوجاع اللحظة الحاضرة أو بحثا عن تعميق حالة الاكتئاب التي تعتريني لأتداوى منها بها؛ لأني وجدت في النص جلدا فنيا للذات وتصويرا للعرب شعبا يتلذذ بإيذاء نفسه بنفسه. يقول الشاعر في مقطع من النص: «ما قصروا أهلي العرب.. دم ومآتم حمّلت.. وصار الحصاد من الركَب.. يا بولهب.. دزِّنه من عند حطب.. وارتاح لتشيل الحمل.. حماله عدنه اعله الطلب.. بس يا شعب». بين ما أثارته تغريدة وزير الخارجية وبين الصورة التي يرسمها الشاعر تكتشف عزيزي القارئ مدى الحاجة إلى زراعة ثقافة العقل الحر بدلا من ثقافة العقل المعطل بعمى الطائفية والمذهب الإيديولوجي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا