النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11029 الخميس 20 يونيو 2019 الموافق 17 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

طفلي يشاكسني ويسألني ( 2 )

رابط مختصر
العدد 8534 الثلاثاء 21 أغسطس 2012 الموافق 3 شوال 1433

كان الحي، (الفريج) في مدينتنا بالرفاع، يزخر بنماذج مسرحية شعبية كنا ونحن أطفال نتحين فرصة خروجها إلى الساحات والأزقة، ومن بينها كان جارنا عبدالله الذهب وهو من أصول عمانية، أذكر أنه كان يطلي وجهه بالفحم صانعا منه لحيته الخاصة، وكان يرتدي عمامة غريبة وثوبا قصيرا (مجعلك) أو متسخ ببعض الفحم الذي يستخدمه للحيته، وكان يحمل على كتفه خرجا أو كيسا قماشيا مملوءا بعدة التمثيل والشخصيات التي كان يؤديها وهو يتجول في الحي.. وكانت هذه الشخصية تأسرني كثيرا، لأنها لا تنتظر من يدعوها للتمثيل ولأنها كانت جريئة وقادرة على أداء أكثر من شخصية دون أن تتكلم، ولأنها تمتع أهل الحي كله صغارا وكبارا، ولأنها تدفعنا لتقليدها، ولأنها وهذا هو الأهم تمكيج وجوهنا أو تطليها بالفحم وتجعلنا في هيئات مختلفة تدعونا للضحك أحيانا على بعضنا البعض.. وفي بيت هذا الممثل الجوال الأول الذي تفتحت عيناي عليه وأنا طفل، كان ابن عمه حفيظ الذهب، وهو شاب مولع بشعر عنترة ابن شداد وحكايته مع حبيبته ابنة عمه عبلة، كان يدعونا لقراءة شعر عنترة وتمثيل دوره ودور عبلة والأدوار الأخرى التي سردتها سيرة عنترة العبسي، وكان يصر علينا دائما بحفظ شعره، وكنت في اليوم التالي عندما أذهب إلى المدرسة، أذكر لأقراني هذه الحكاية وكيف مثلتها مع من جمعتني بهم صحبة التمثيل في حينا، فيزداد شوقهم لرؤية ما رأيت وتمثيل ما مثلته وللمتعة التي عشتها وأنا أمثل بعض شخصيات سيرة عنترة، فأدعوهم معي للمشاركة في هذه المتعة إلى بيت حفيظ الذهب، وكان البيت حينها أشبه بمسرح صغير للأطفال، لا توجد فيه خشبة مسرح، كنا في هذا الحوش الصغير نتدرب ونمثل وكان حفيظ بعفويته وتلقائيته يقوم بدور المخرج، فيوجهنا في التمثيل، كيف نؤدي شخصية عنترة؟ كيف نؤدي شخصية عبلة؟ وكان الجميل في الأمر، أن هذا البيت المسرحي الصغير يضم معنا بعض الأطفال من البنات، وكن يقمن بدور المتفرجات على العرض.. وفي الحي نفسه، يوجد ناد صغير يحمل اسم (نادي الكوكب)، وكان يضم أطفال وناشئة وشباب الحي كله، وهو عبارة عن بيت شعبي صغير يتوسطه حوش متواضع الحجم، هذا الحوش كان يجمعنا فيه مدرب كرة القدم بالنادي رحمه الله الكابتن والفنان حسن الزلاقي، كان لاعبا ومدربا مولعا بالمسرح بشكل غير عادي، وكانت لا تمر مناسبة إلا وأحيا فيها اسكتشا مسرحيا (أو تمثيلية قصيرة) من تأليفه وإخراجه، وكان يستعد لتقديمها بضعة أيام، وكانت أغلب اسكتشاته عبارة عن مواقف فكاهية هدفه منها إمتاع أهل الحي، وكان هناك هدف آخر وهو الأهم، تحبيبنا إلى المسرح ودعوتنا للمشاركة فيه بطريقة غير مباشرة ، وكان هذا النادي يعتبر الوحيد في مدينة الرفاع الشرقي الذي يقدم حينها مسرحيات ومشاهد تمثيلية بشكل متواصل، وهو الوحيد أيضا الذي يضم لاعبين ممثلين في الوقت نفسه.. وكانت أول تجربة مسرحية لي في هذا النادي، عندما دعانا الكابتن الفنان حسن الزلاقي نحن أطفال الحي للمشاركة في استعراض تمثيلي توعوي يبرز دور النظافة وأهميتها بين أبناء المجتمع وهي عبارة عن مسابقة رسمية تنظمها وزارة البلديات لكل بلديات البلد، فكان نادي الكوكب هو من يمثل مدينة الرفاع باستمرار في مثل هذه المسابقات، وكان الاستعراض عبارة عن شخصيات تمثل أدوارا بيئية وكنت بينهم أمثل دور الوقائي الذي يمنع الحشرات من الهجوم على صحة البشر والمجتمع، وكم كانت سعادتي بالغة وأنا أشارك أقراني هذا الاستعراض في استاد مدينة عيسى الرياضي وكانت مئات الجماهير تشاهدنا في هذا العرض.. وكان الاستاد (الملعب)، أكبر مسرح في حياتي مثلت فيه.. وتخيلوا معي حينها مقدار فرحي وسعادتي بهذا المسرح الكبير والمفتوح وبحضور هذا الجمهور الكثيف حينها لمشاهدتنا ونحن نمثل في هذا الملعب.. وفي نفس الحي، وفي نادي الكوكب تحديدا، تفتحت عيناي على ممثل جوال من نوع آخر، وكان يدعى (عدنان الدوغه) نسبة إلى منطقة كانت تعد الأحجار للبناء، وهو من أصول عمانية أيضا، كان يقصدنا بين يوم وآخر بدراجته المتعددة الأغراض، وكانت أشبه بمسرحه المتنقل الذي يجوب به مناطق متعددة ومجاورة لمدينتنا، وكان الأطفال ينتظرونه على أحر من الجمر كي يسعدوا بأدائه التهريجي والكوميدي وبلهجته العمانية الظريفة، كان أفطس الأنف، وكان منخارا هذا الأنف هما مفتاح المسرحية وختامها، فعندما يريد أن يبدأ التمثيل يضغط بسبابته على المنخر الأيمن، وعندما يريد أن يختمه يضغط على المنخر الأيسر، وعندما يريد أطفال الحي مسرحية أخرى من باب الدعابة معه، يتجرأ بعضهم ويضغط على منخره الأيسر.. كان عدنان الدوغة اشتهر بتقليد الشخصيات التاريخية وشخصيات الكاوبوي، وكان يتمتع بفم واسع يصدر منه أصواتا متداخلة ومؤثرات صوتية، لتجعل من وجهه كله مسرحا حيا، الشخصيات والأحداث والمؤثرات والموسيقى والغناء تتناغم كلها في أدائه، وهي قدرة هائلة لم يصادفني حينها مؤد يقوم بكل الأدوار المسرحية مرة واحدة، وحين ينتهي من مهمته يمضي إلى منطقة أخرى يقدم فيها عرضه المسرحي الإرتجالي..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا