النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

يا أهـــــل البحريــــن

رابط مختصر
العدد 8472 الأربعاء 20 يونيو 2012 الموافق 30 رجب 1433

ليسمح لي القارئ الكريم بداية أن أستفتح مقالي هذا ببعض ما قيل حول الكراهية التي نشهد عبثها وهي تعيث فسادا في مشهدنا الاجتماعي، بعد أن وجدت من يرعاها ويتعهدها بالانتشار ظنا منه بأنه سيكون في مأمن من خرابها. يقول «مارتن لوثر كنج» أشهر الدعاة المطالبين بالحقوق المدنية والسياسية: «لا يمكن للظلام إنهاء الظلام، إنما النور فحسب يمكنه ذلك، ولا يمكن للكراهية إنهاء الكراهية، إنما الحب وحده يمكنه ذلك. «وكان لشاعر الحركة الرومانتيكية الإنجليزية في بداية القرن التاسع عشر «جون كيتس» رأي في الكراهية تشكل من واقع معاناة شخصية إذ يقول: «الحب استمرارية ونقاء، والكراهية موت وشقاء.» أما عملاق القصة القصيرة الكاتب الروسي «أنطون شيخوف» فيقول: «الحب والصداقة والاحترام لا توحد الناس مثلما تفعل كراهية شيء ما.» لعل ما تقدم يشير إلى أن نبذ الكراهية من خلال غرس شتلات المحبة والصداقة والاحترام هو سبيلنا إلى تضميد الجراحات التي تركتها الأحداث الأعنف في تاريخ مجتمعنا، ولن يكون في استطاعتنا التغيير من دواخلنا إذا ما نظرنا إلى بعضنا البعض من زاوية «أنا» على صواب و»غيري» على خطأ في نكران وجحود لما قاله الإمام الغزالي. ومن الأكيد والحتمي أن تتسبب الكراهية في تدمير كل البشر إذا استقرت في القلوب وشاعت ممارسة في السلوك. وفي هذا السياق أقول إن ثمة سؤالا بحرينيا حارقا مستجدا يختص بنزعة الكراهية بوصفها طاعونا يفتك بالمشاعر الإنسانية ويحيل المجتمعات إلى بؤر لصراعات حيوانية لا تنتهي، سؤال تفجر في أحداث البحرين المفتعلة منذ أكثر من خمسة عشر شهرا وبات شغل البحرينيين الشاغل. الموجوعون المواطنون هم من يبحث عن أسباب تفشي شعور الكره هذا غير أن من يُفترض فيهم التخفيف عن الموجوعين من الكتاب تراهم كُلا في غيه المذهبي سادرا وعن أن يكون مواطنا وطنيا بمصالحه لاهيا وتحت تأثير خدر «ثورته» ساهيا! ومن المفارقات أن في كتابات من أسهم وأرخ لهذه الأحداث ودون يومياتها ونشر تزويرا وكذبا وبهتانا في ابتهاج بحلول «الربيع العربي» ما ينم عن ضحالة وطنيته واندفاعه الأهوج باتجاه ماض لا يعكس أبدا ما يمور الآن في مجتمعاتنا التي تعيش حقائق القرن الواحد والعشرين الدامغة التي تؤكد على مفاهيم مدنية عابرة للعرق والدين والمذهب والجنس، هؤلاء الكتاب والصحفيون هم أكثر من يتناول موضوع الكراهية مسقطين أسباب تفشي ممارسة هذه السوأة على نطاق واسع في كافة المنابر، خطابة ونشرا، على من وقف ضد هذه الأحداث وضد مفجريها. ولا يختلف اثنان على أن ما تبثه قنوات الفتنة الإيرانية وتلك الأخرى المرتبطة بها عقيدة ومذهبا، وما تضج به المواقع الالكترونية من كلام يمس المشاعر الإنسانية وينال من عقائد الناس وإيمانهم وقيمهم لا ينم عن حب للبحرين بأي حال من الأحوال بقدر ما يشيع الكراهية ويؤسس لاحتراب طائفي لا يبقي ولا يذر بين المكونات الاجتماعية التي بقيت أبدا منصهرة في نسيج اجتماعي متناغم. التاريخ الوطني لا يحكي عن وجود للكراهية في المجتمع البحريني، إنما هي، أي الكراهية، اختارت أن تحل ضيفة عند الطائفيين وقد امتطت مركب المذهبية لتمخر به عباب بحر مشاعرنا وتخوض في دماء قلوبنا وتقسمنا إلى طائفتين تسعى كل واحدة منها إلى التخلص من الثانية. وأحسب أنه أخلاقيا ووطنيا ينبغي ألا نسمح، مهما كان الثمن، أن تغزو صحفنا مثل تلك الكتابات القبيحة المحرضة على الكراهية، وأن نواجه مثل هذه الكتابات بخطاب التعقل مبتعدين عن تشنج أراه بذرة نجاح هؤلاء الكتاب في زرع أشواك الانقسام، وأن نتدرب جميعنا بدءا من ناشئتنا ووصولا إلى كهولنا وشيوخنا على آليات في القراءة والتحليل تجعلنا قادرين على تفكيك كل الخطابات بردها إلى أصولها وتبين أبعادها والمسكوت عنه فيها تبينا يدرأ عنا مخاطر سياسة القطيع التي لم أتبينها شخصيا إلا عند من نصبوا أنفسهم أوصياء على الشعب متكلمين باسمه أو عند من تبنى رؤية للعالم أسند فيها فضيلة التفكير إلى جهة دون سواها باتت تقرر له كل شيء وتوجه أفكاره وآماله وحتى هواجسه وأهواءه. كلما مررت بمقبرة، في أي منطقة من مناطق البحرين، أكاد أسمع سؤالا احتجاجيا استنكاريا يطلقه كل موتاها «هل هذا هو منتهى ما كنا نصبو إليه وعملنا من أجله؟» ويقابله سؤال آخر أراه مرتسما على وجوه أهل البحرين نساء ورجالا يقول: «هل نقبل أن يكون هذا التعثر وهذا الانقسام نتيجة لما صرفه الآباء والأجداد من جهد وعمل في سبيل إرساء قيم العيش المشترك لصيانة وحدتنا الوطنية وسلمنا الأهلي؟» ويا أهل البحرين علينا أن نجيب عن هذين السؤالين بشجاعة، ونعيد إلى موتانا كرامتهم التي انتهكناها بنرجسية فائقة وندعهم في سلام موتهم مرتاحين، وإلى أحيائنا الأمل بمواصلة طريق بدأه آباؤنا وأجدادنا لاستقبال حياة أكثر قابلية للعيش المشترك وأكثر رخاء. شخصيا رصدت في هذا الإطار كتابا بالعدد هم ثلاثة وينتمون إلى أسرة تحرير جريدة واحدة، كما أنهم من خلفية مذهبية وثقافية واحدة أيضا، وإني لألمح مؤخرا رابعا يتدحرج صوبهم لينضم إلى جوقتهم رغم أنه يختلف عنهم في الخلفية الثقافية الحزبية وحتى الأخلاقية إن صح لي التعبير، لكن يبدو أن هذا الاختلاف لم يعد ذا معنى في زمن ضاعت فيه المعايير واختلطت فيه المفاهيم وغابت معانيها في سُدم النهوج التضليلية المرتبطة بالأجنبي. إن كتاباتكم يا سادة صارت تثير الاشمئزاز وهي سبب لإشغال الناس بالسؤال الطائفي وتوسيع قاعدة الكارهين. ولعل الوعد بالكتابة عن الكراهية فيما يكتب هؤلاء هو ما ألتزم به معكم في مقالات قادمة. تستمد الكراهية أكسجين استمراريتها وتنتشر وتستفحل في المجتمعات عندما تتشكل بيئات حاضنة لها، وأحسب أن التطرف الديني والمذهبي والعرقي هي البيئات الأكثر مناسبة لانتشار مثل هذه السوأة التي تفتك بالمجتمعات وتنخرها، لأن هامش العقل والتفكير الحر المنظم محاصر في هذه البيئات بإملاءات الولاء مغيب بلاءات التحريم مضيق عليه بأصفاد الفتاوى القاصمة لظهر الاجتهاد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا