النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10906 الأحد 17 فبراير 2019 الموافق 12 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:54AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

البيت/ المدرسة/ الوطن/ المستقبل .. علاقة جدلية

رابط مختصر
العدد 8436 الثلاثاء 15 مايو 2012 الموافق 24 جمادى الأولى 1433

بدءا أجزم بأنه لا يمكن أن تكون المدرسة مستقبلا دون أن تكون بيتا ووطنا، ولا يمكن أن تكون المدرسة بيتا ووطنا دون أن تكون بيئة حاضنة للمستقبل / الغد / الكون .. فالعلاقة بين المدرسة البيت والمدرسة الوطن والمدرسة الكون أو المستقبل، علاقة جدلية، وجدلية بالمعنى الخلاق والمؤسس لكون ينطلق من وعي وفكر مستنيرين، فلا يمكن مثلا أن يكون المستقبل مضيئا في مدرسة بيتها معتم ووطنها خراب، إذ المستقبل الحقيقي يتطلب منا أن نكون عنصرا محركا للزمان والمكان وهو ما نسعى إليه حاملين معنا كل أحلامنا وتطلعاتنا، فالزمان والمكان لا يتحركان إلا بوجود العنصر الثالث والأساس وهو الإنسان، بمعنى آخر أن الإرادة الإنسانية هي المحرك، وهي المقبل قبل المستقبل، والأقرب للمقبل في معاجمنا وقواميسنا العربية هو المتجدد والمتحول والقادر على قراءة الأفق الأبعد في الكون، هو الذي لا ينتظر المستقبل بل يصنعه ويبتكره ويبدعه، هو الذي لا يتذرع بالشكوى ويلوذ إليها طائعا وعاجزا، بل هو المتمكن من النفاذ من حبائلها وشباكها وفخاخها بقدرته على التفكير والبحث وابتكار الأسئلة التي تنشد قراءة الكون وفق معايير غير محنطة أو ساكنة أو جامدة أو مرتكنة لإجابات جاهزة بليدة .. الفيلسوف المسرحي الإيطالي روربتو اتشولي يختزل المستقبل بقوله : «المستقبل هو أن أسأل نفسي كل صباح عندما أستيقظ : ما هو الجديد؟» وانطلاقا من هذا السؤال يبدأ البحث والتجدد في الحياة واكتشافها من جديد وبرؤية مختلفة ومغايرة، أما من يسرق بدنه ورٍأسه النعاس في كل يقظة فلا يمكن أن يكون مؤهلا لحياة كونية جديدة تتطلب منه جهدا فكريا يضعه في موقع مسؤولية المحرك للموقف لا المتفرج عليه .. نحن لا نذهب للمستقبل / الغد/ الكون / من خلف العربة، ولا نلقي بالمسؤولية على القطار إن فاتنا، فنحن من يحرك القطار ونحن من تأخر عن موعد انطلاقه إذا فاتنا، فالزمن حسب الحكمة اليابانية حضارة، ولا يمكن أن نكون في ركب المستقبل إن لم نستوعب وندرك أهمية الزمن، ووجودنا في المدرسة إن لم يكن بهذه الأهمية، فيعني أن المدرسة بوصفها مستقبلا تجاوزتنا وراوحنا نحن في موقع النادب حظه على زمن فاته دون أن يسأل نفسه: لماذا فاتني هذا الزمن؟ وعلى من تقع المسؤولية؟ علي أم على المستقبل الذي فاتني؟ نحن نتعامل مع البلي ستيشن والغيم بوي والإنترنت واللاب توب والبلك بيري وغيرهم، ولكن هل وقفنا مليا عند سر سرعة إيقاعهم؟ هل سألنا أنفسنا لماذا أصبحت هذه التكنولوجيا تحتوي العالم كله ليصبح هذا العالم أمام مرآنا في حجم علبة الكبريت؟ هل سألنا رؤوسنا ماذا تخبئ هذه الأجهزة من أسرار لم نتعرف عليها بعد؟ لماذا نحبها ونقتنيها؟ هل هي وسيلة رفاهية ومتعة ورغبة في التواصل مع الآخر فحسب؟ أم أن المسألة تتجاوز ذلك بكثير؟ الكائن المقبل على الغد ينبغي أن يكون أولا منتجا، بل منتجا حتى لما يستهلكه، والمنتج هو الكائن الأقرب للمبدع والمبتكر، والمنتج هو من يعيد قراءة الشيء الذي يتلقاه ويستقبله، بمعنى أنه كائن يفكر في كيفية ما يتعاطاه من حوله وما بحوزته، لذا فلا يمكن أن تكون المدرسة مثلا مبنى نلتقي فيه فحسب دون أن نسأل لماذا وجدنا في هذه المدرسة؟ ولا يمكن أن يكون الكتاب الذي نتحصل عليه في المدرسة مادة للحفظ حسب ما هو سائد دون أن نسأل ما الذي يمكن لرؤوسنا أن تضيف إلى ما هو موجود للمعلومات في هذا الكتاب؟ أو كيف نجعل من هذا الكتاب فضاء مفتوحا ومتصلا بمستقبلنا؟ ولا يمكن أن يكون المعلم مادة للتوصيل فقط للمعلومات دون أن نسأل ما الذي يخبئه رأس هذا المعلم لمستقبلنا ولم نسأله فيه عنه بعد؟ ولا يمكن أن تكون المدرسة بيئة للقاء دون أن نسأل لماذا نلتقي كل صباح؟ هل نحن أسرة أم مجتمع؟ هل نحن زاد اليوم أم عدة المستقبل؟ نتلقى دروسا يومية في التاريخ ولكن ما هي أسئلتنا على التاريخ كي نكون أهلا للراهن والمستقبل؟ ما علاقة المدرسة بالمجتمع الخارجي؟ ما هي علاقتنا بأنفسنا؟ ما هي أسئلتنا الملحة عليها؟ المستقبل يبدأ من سؤال ويفضي في النهاية إلى أسئلة وإذا وجدنا الأجوبة ولم نسألها أو نعيد إنتاجها من جديد فمعنى ذلك أننا قتلنا الحصان في أنفسنا وفي طاقتنا قبل أن نطلقه في مضمار المستقبل. خلال عشر سنوات مضت على تولي جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم حدثت إنجازات هائلة في قطاع التربية والتعليم، وواحدة من أهم هذه الإنجازات مشروع الملك حمد لمدارس المستقبل والذي يسعى سعادة وزير التربية والتعليم الدكتور ماجد بن علي النعيمي بكل ما أوتي من جهود غير عادية ودؤوبة إلى متابعة تنفيذه في مدارس المملكة بوصفه ـ حسب ـ وزير التربيـــة والتعليم « حدثا مهما في تاريخ التعليم بمملكة البحرين ونقلة تطويرية فيه، ذلك أن أهميته تكمن في الإمكانيات الكبيرة التي يتيحها لتطوير النظام التربوي بما يتلاءم مع متطلبات التنمية المستقبلية وحاجات المجتمع الذي يتزايد اعتماده يوما بعد يوم على المعرفة باعتبارها القوة الرئيسية والثروة الأساسية في المستقبل، كما يترجم هذا المشروع التنمية المستقبلية تطلع مملكة البحرين إلى الانتقال إلى مرحلة متطورة من التعليم الذي ينتج أفضل المخرجات من أبناء الوطن» ولو تأملنا أهمية هذا المشروع لوجدنا العلاقة الجدلية بين المدرسة بوصفها بيتا ووطنا ومستقبلا، ونلحظ ذلك في كلمات مثل «التنمية المستقبلية» والتي ينبغي أن تتشكل في فضاء بيت المدرسة و»أفضل المخــرجات من أبنـــاء الوطن» وهم الطلبة مجتمع الوطن في الراهن والمستقبل و»القوة الرئيسية والثروة الأساسية في المستقبل»، إذن المستقبل هو البوصلة في أفق مثلث هذه الجدلية «البيت والوطن والمستقبل أو الكون» والذي بتعزز حضوره الفعلي بالمعرفة، والمعرفة فضاء كوني مفتوح على آفاق كثيرة لا حصر لعددها .. السؤال كيف نستثمر معطيات هذا المشروع؟ كيف نجعل من التكنولوجيا مادة معرفية شكلا ومضمونا؟ فالتكنولوجيا ليست وسيلة تقنية للتعاطي مع المعلومة التي نريدها فحسب، وإنما هي منظومة فكرية في غاية الأهمية، هي علم بالمنطق وعلوم التقنية والعلوم التطبيقية، والمعنى العملي للتكنولوجيا هو الاستخدام الأمثل والأذكى للعلوم في نواحي الحياة العملية، هي ثورة في عصر المعلومات ويتسم عصرها بالتدفق الهائل للمعلومات وإتاحة مصادر المعلومات المختلفة لكل البشرية دون تفرقة والتواصل بين كل المستويات «الدول والمؤسسات والمنظمات والأفراد». إذا أدركنا هذه الثورة سنتمكن فعلا من استثمار معطيات هذا المشروع الملكي العصري الذي يضعنا كطلاب علم ومعلمين في قلب الكون ويجعل من المدرسة فضاء متقاطعا مع كل أفضية المعرفة والعلم في هذا الكون .. وتكمن أهمية هذا المشروع أنه حظي بإشادات واعترافات دولية ونفذت خطوات كثيرة وفاعلة فيه من أجل أن تكون مدارسنا رائدة في التعليم الإلكتروني، وتوج بجائزة اليونسكو ـ الملك حمد لاستخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصال في مجال التعليم، التي أطلقت أجنحة المستقبل في فضاء العالم الكوني ووضعتنا نحن العاملين في حقول التربية والتعليم أمام مسؤولية كونية لا تقبل العودة إلى راهن المتحصل التعليمي أو ماضيه، إما أن يكون المستقبل أو لا تكون المدرسة .. وانطلاقا من هذا المشروع الملكي العصري، صار من المحتم «ديناميكيا» أن تتجدد كل معطيات التعليم، حتى تكون جديرة بالمستقبل الكوني الذي نطمح إلى الولوج فيه، وفعلا تجددت مناهج وأضيفت تصورات إستراتيجية جديدة لأنساق التعليم، وصارت العملية الإنتاجية التي أكد عليها وزير التربية والتعليم الدكتور ماجد بن علي النعيمي في أكثر من سانحة مواكبة وملازمة لأي مشروع تربوي وتعليمي، وصار لزاما علينا النظر وبمسؤولية إلى أهمية زيادة الزمن المدرسي الذي يصب في صالح العملية الإنتاجية ويثريها، وكما أشرنا أعلاه، بأن المنتج للمعرفة والعلم والثقافة قرين للعصر والمستقبل .. ومن الإنجازات التي وضعت المدرسة في متسع العصر / المستقبل / الكون ، جائزة وزير التربية والتعليم والتي أكدت على أهمية الإبداع في أي منجز تعليمي أو تربوي أو أنشطي أو علمي أو ثقافي أو إداري، فهذه الجائزة حفزت الطلبة والمشتغلين في حقل المدرسة على ضرورة التميز والإبداع في المشروعات التي ينجزونها أو يتقدمون بها، والإبداع يعني هنا فيما يعني أن نبحث عن أفق جديد يليق بانتمائنا إلى هذا الكون، وهذه الجائزة بمثابة رافد يصب في نهاية الأمر في نهر مشروع جلالة الملك حمد لمدارس المستقبل ليحفز أهل الحقل على نثر بذورهم في التربة التي تتجذر فيها أشجارهم وتتسامق وتخصب ثمرا يراه الداني والقاصي في هذه الخارطة الكونية .. ونرى تجليات المدرسة المستقبل في إقرار حصص الإبداع بعد تطبيق نظام توحيد المسارات، حيث أتيحت المساحة واسعة أمام طلبة الثانوية لمحاورة طاقاتهم وحثها على الخلق وتحديها من أجل رؤية أفضية معرفية عصرية أخرى وجديدة تتجاوز حدود جدران المدرسة وجغرافيا الوطن .. وما أجمل أن تكون المخيلة الخصبة رفيقة الرأس في إنتاج المعرفة، هكذا دأبت إدارة الخدمات الطلابية بتوجيه ومتابعة حثيثين وملموسين من وزير التربية والتعليم الدكتور ماجد بن علي النعيمي، وبفسح إثرائي مثابر من مديرها الأستاذ الفنان جاسم محمد بن حربان، دأبت على تعزيز أهمية وضرورة الإبداع والابتكار عبر أنشطتها اللاصفية التي تضطلع بها أقسامها ومجموعاتها في مختلف اهتماماتها ومشاربها، ذلك أن هذه الأنشطة قد ساهمت في إثراء مخيلة وعقلية الطالب في المدرسة ودعته يستحث طاقته من أجل التواصل مع كل ما هو مبدع في هذا الكون، وذلك عبر تنفيذها فعاليات عدة داخل المدرسة وخارجها، وفي داخل المملكة وخارجها، وأسهمت عبر هذه الأنشطة في إبراز طاقات موهوبة ومتميزة في عطائها نالت بمشاركتها في المحافل العربية والدولية قصب السبق في أكثر من حقل معرفي وفني وثقافي .. إن دور الخدمات الطلابية يعطي المجال واسعا لتعبير الطلبة عن ذواتهم وبحرية وبمسؤولية أيضا، كما يسهم في خلق علاقة حميمة بين الطالب ومدرسته ووطنه، مثلما يطلق حمائم الإبداع لديه في فضاء الكون .. كما أن إدارة الخدمات الطلابية هيأت المجال أيضا للطلبة لاقتراح مشروعاتهم ومساعدتهم على تنفيذها بشتى السبل، بغية أن يتأسس الطالب المنتج في المدرسة، زاجة المنسقين للأنشطة في قلب التجربة كي تسهم عبره في إيجاد مناخات حية ورحبة بينه وبين الطلبة من ذوي الاهتمامات الأنشطية المتعددة .. إن إدارة الخدمات الطلابية، وهذا ليس إطراء لكوني أعمل في أحد حقولها الأنشطية، تلعب دورا مرادفا للمجتمع الوطن والمجتمع المستقبل في تواصلها مع الطلبة والقائمين على شؤونهم في المدرسة وخارجها وفي تنظيم الأنشطة التي تتواكب وتستفز خلايا الإنتاج والإبداع لديهم، فمدرسة لا نشاط ولا فن ولا أبداع فيها، هي مدرسة لا مستقبل لها ولا روح فيها .. والبلاغة أن تجعل من بيتك ووطنك مستقبلا ومن مستقبلك بيتا ووطنا للمستقبل، وخير مرآة ترى فيها نفسك هي مستقبلك .. وأخيراً تذكروا أن في الفصل نافذةً، وهي لم توجد لاستقبال الهواء فحسب، وإنما لنطل من خلالها على العالم أيضًا،أو لنرى من خلالها عالمًا لم نتعرف عليه بعد، ربما يكون المستقبل..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا