النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

في عشق المكان!!

رابط مختصر
العدد 8425 الجمعة 4 مايو 2012 الموافق 13 جمادى الأولى 1433

من طبيعة الأماكن أن لها صفات الدفء والرائحة والمذاق. ومن خاصية هذه الصفات القدرة على النفاذ إلى الشخص من خلال حواسه وتتسلل إليه من مساماته لتصل إلى خلاياه وتغمر كيانه كله وتبعث الحياة في ما استوطن ذاكرته وأقام فيها من الصور والمشاهد. قصتي مع المكان هي أنني أعشقه وهذا العشق الذي لا أخشى البوح به بل أنني أفاخر به خصوصا وأن المكان الذي أتحدث عنه هنا هو قريتي «قلالي». في ذات مساء كان شعوري بالسأم المتولد عن حالة أمنية مستنفرة تملأ المكان ضجيجا على غير عادة، ما أشاع شعورا طاغيا بالاغتراب، قادني إلى أن استجمع فيه أسباب انكساراتي النفسية فوجدتها أسبابا متولدة عن معطيات حاضر متورم بطائفية مقيتة استزرعت على حين غرة في الدوار واستشرت، فلذتُ بالماضي متوسلا المكان مطيةً لكي يأخذني في فسحة أتأمله فيها! علني أجد فيه ما ينقلني إلى فضاء أوسع أتحسس فيه بعضا من علاقات الناس الطيبين تنسيني ضيق الحاضر وبؤسه، هذا الحاضر الذي تجبرنا على المكوث في دائرته جمعية «الوفاق» وشقيقاتها. ونزولا عند إلحاح مدفونات رغبتي، ولهب مشاعر اختزنها تجاه قريتي الأجمل، قلالي وأهلها الكرام. ركبت قارب حنيني وأسرعت بي مجاديف أشواقي ليبحرا بي في دروب قريتي في جولة حرة أفتش في ما تبقى من معالمها في ذاكرتي عما يمكن أن يمسح حزن الحاضر، ويزيح عنه الستار لأدلف مسرح «قلالي» القديمة، فألفيته يضج قيما ومبادئ وهما عنوانان بارزان في ثقافة أهل البحرين جميعا، ولكن لا أعلم كيف باتت هذه القيم والمبادئ تُعلم وتُعلم ولكنها للأسف لا تظهر ممارسة في سلوكات البشر. بعض هذه المعالم، وإن غاب وجودها المادي في الواقع الحي ومحاه الزمن وأحاله إلى مجرد ذكرى ورسم قد درس، فهي تقيم في الذاكرة دائما كما هو لم تتغير منذ ما ينيف عن خمسين عاما، ورغم أن الزمن قد سطا على ملامح كثيرة منها غير انه لم يفلح في محوها واكتفى بإخفاء بعضها خلف جديده، فيما ظل بعضها الآخر صامدا لم تنل منه الطبيعة مثلما نال منه الإهمال. ماذا عساي أن أحكي عن هذه القرية ولي في كل زاوية من زواياها مرتع أراه دائم الاخضرار، وفي كل بيت من بيوتها أحتفظ بحكاية لا تنسى وذكرى وجوه لا تشيخ أبدا. حقيقة لا أتذكر بيتا من بيوت القرية، حتى العام 1970 لم أدخله سواء مدعوا أو داعيا فيه نفسي، كما ان رائحة الطبخ في تلك البيوت مازالت عالقة في ذاكرتي الشميّة، إن صح التعبير، ولا أعتقد أن مجاييلي إلا بما أشعر هم به يشعرون. جولتي بين بيوت قلالي المتلاصقة وهو ما يشير إلى الألفة والحميمية، وفي دروبها ودواعيسها وفي فريجيها، شرق وغرب «جبلة»، ابتدأت من «بيتنا العود»، البيت الذي ولدت وترعرعت وتفتحت مداركي فيه على الناس وعلى الأشياء من حولي. وقد كان هذا البيت مثل كل بيوت ذلك الزمن الوردي البهيج في علاقات أبنائه، النزيه في توزيع قيمه ومبادئه عليهم بالقسطاط. لقد كان يأوي في جنباته أربع أسر لا يقل عدد أفراد كل أسرة منها عن تسعة أشخاص. وما أحزنني حقا في وقفتي على أطلال البيت واختنقت له مآقي بالدموع واكتنزت النفس بالعبرات أن الجزء الذي كان يؤويني ووالدي وأخوتي صار أثرا وذكرى بعد عين. لم تكن الدموع لتنهمر لو أن الأمر كان متعلقا بما فعلته آليات البلدية من هدم للجزء الذي يخصنا في «البيت العود» ولكن السبب الحقيقي لها كان شريط الذكريات التي عاشها أولئك الذين ابتنوا هذا البيت وعمروه طويلا، واللائي ملأن البيت أطفالا وتحملن تربيتهم ورعايتهم حتى كبروا، وقد ودعن الحياة بعد ذلك مطمئنات على أن هناك مأوى يحفظ أبناءهن من بعدهن. أما محطتي الثانية التي استوقفكم عندها فهي البحر، فـ «لقلالي» مع البحر حكاية يسردها تاريخ طويل من المحاذاة اللصيقة التي أثرت على نمط عيش الأهالي وانعكست تسامحا وتعاونا فيما بينهم. وددت أن أقول أين ذلك البحر الذي كان يوما مصدرا أول للرزق وشريان الحياة الذي يتوقف بقاء أبناء هذه القرية منذ ولادتهم وحتى مماتهم عليه. فلا اعتراض لدي على التمدد العمراني الحضري، ولكن لا ينبغي أن يكون على حساب البيئة والجمال. أما محطتي الثالثة التي إليها جذبني من وجدتهم بالمصادفة، ينتمون إلى مرحلتي العمرية فهي «المسطاح». و«المسطاح» للذين فاتتهم خبرة تداول هذه المفردة الشعبية معرفة، هي المساحة أو الفضاء الذي يمارس الأطفال والشباب ألعابهم في الشتاء فيه. وقفت أتأمل هذا الفراغ الضيق المزدحم بالناس والسيارات فتذكرت أحدهم عندما قال قبل أكثر من أربعين سنة «إن وجدت الآن هذه المساحة فلن يتوفر ذلك مستقبلا ولن تجد لأبنائك متسعا لبناء بيت، وقد صدق. فهل سيعطى أهالي قلالي من الشباب وقد ضاقت بهم منازل آبائهم، أولوية في الحصول على منازل في إسكان قلالي»، آمل ذلك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا