النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

المسرح والعولمة.. الواقع والملتبس ( 4 )

رابط مختصر
العدد 8258 السبت 19 نوفمبر 2011 الموافق 23 ذو الحجة 1432

الكارثة أننا نعيش جملة مفارقات تحتاج إلى وسائل وطرق متمردة لنسفها أو تجاوزها، لأن الحديث عن الديمقراطية وحده يحتاج إلى وقفات وتأملات، إذ إن الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية حكواتية بالدرجة الأولى، ديمقراطية حكي، ظاهرة صوتية كما ذهب إلى ذلك المفكر السعودي الراحل عبدالله القصيمي، وليست ديمقراطية قائمة على تبادل الأدوار وتجديد الدماء في شرايين القنوات المجتمعية، ديمقراطية تدفع باتجاه دراما الأفق لا ميلودراما الصراخ والعويل، وإن كنت أحيانا أبرر هذه الميلودراما ولا أسأم منها بحكم العسف التاريخي الطويل لحريات الإنسان المثقف والفنان في مجتمعاتنا العربية ومسخ صوته ونفسيته وكيانه، وتأسيس نماذج تحفظ الود لهذا العسف ولا تخنه، فمهما تغيرت الأزمان والأمكنة، فهي صالحة لكل زمان ومكان، وطالما هي كذلك ممتدة، فإن ميلودراما الصراخ ستستمر، ولكن إلى متى ستظل الاستجابة لهذه الميلودراما واردة ومبررة؟ هل فقدنا الوسيلة أو عدمناها حتى نكون بمنأى عما يسهم في تغييرنا وتغييره أو اللحاق به أو قول وجهة نظرنا فيه؟ وإلى متى ستظل الظاهرة الصوتية ملازمة لديمقراطيتنا المزعومة في الواقع والمسرح؟ أليس المسرح كما أسلفنا فعل حياة؟ أليس الصوت في المسرح إذا استثمر فنيا يتحول إلى فعل؟ هل ننكر أننا لم نستثمر بعض رؤى وتقنيات التجارب المسرحية التجريبية خاصة، والتي هيأها لنا مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وبالذات في دوراته الست الأولى؟ هل كنا فعلا على اطلاع وتعرف كاف بالتجارب الخلاقة في العالم قبل المهرجان التجريبي؟ ألم يهيء هذا المهرجان فرصة أخرى لبعض التجارب العربية المسرحية المميزة كي تشارك في مهرجانات عالمية أخرى تقام خارج دائرتها الضيقة؟ ألم تعرض في هذه المهرجانات عروضا مسرحية أمريكية مهمة تدين الجوانب المعتمة للعولمة وتناقش قضايا الفقر والهيمنة الأمريكية على خارطة الجنوب عامة؟ ألم يتلقَ بعض المسرحيين العرب دورات ورشية في مجال التقنية والتكنولوجيا بأمريكا؟ ألم تكن مسارح أوروبا حاضنة لتعددية خلاقة ولرؤى مستقلة منسجمة في إنسانيتها؟ أليست تجربة مسرحية عبور المحيط لبريخت وللمعدة والمخرجة الهولندية لوسيان فان أملسفورت أنموذجا لما نذهب إليه ولما يخشاه بعض الأصوليين في مسرحنا العربي؟ هي مسرحية جمعت جنسيات متعددة لجأت إلى هولندا، من تركيا وإيران والعراق والمغرب والصومال وسورينام، طبعا إضافة إلى الهولنديين، وقدمت كل جنسية بلغة بلدها، مسرحية تناولت قضية مهمة وربما يصعب على هؤلاء الفنانين طرحها في مجتمعاتهم نظرا للتابوهات المفزعة فيها، قضيتهم هي الهجرة والأحلام المحبطة والبحث عن بلد آمن، بحث عن طريقة لهدم الحدود الجغرافية، أليست تلك القضية تعني كثرة من المهاجرين والمنفيين واللاجئين العرب وغير العرب؟ هل يمكن لشعوب كثيرة على هذه الأرض أن تعلم أو تتفاعل مع هكذا قضايا لولا ظاهرة المايكرو سوسيولوجي؟ أليست هذه الظاهرة مجدية والتي ترجمت لنا ماذا تعني دولة المواطنة في فسحها الديمقراطي الأوسع، وماذا يعني بالمقابل نقيضها في مجتمعاتنا حيث الاسم وبريقه يسبق المعنى والجدوى، ماذا يعني أن يكون المسرح في أوروبا مؤازرا بمؤسسات المجتمع المدني وبفعلها الاستنهاضي، وماذا يعني أن يكون المسرح بمعزل عن هذه المؤسسات وعن فعلها؟ البعض يخشى على المسرح في العالم العربي من أن يتحول إلى صورة مكررة ومجترة عن الصيغ الأمريكية والأوروبية وتعمم على العالم، ولكن إلى أي حد هذه الخشية صائبة في فحواها أو في نواياها؟ إذ أن الصيغة الأمريكية ليست واحدة وكذلك الأوروبية، كما أن مجال الرؤى المسرحية في أمريكا وأوروبا واسعا وغنيا بتنوعه، فكيف يكون المسرح هناك صيغة واحدة؟ وكيف نحجر على المسرح في عالمنا العربي فرصة استثمار هذا التنوع وثرائه الفني والتقني؟ ثم هل يمكننا غض الطرف عن النصوص المترجمة وغير المترجمة والتي غذت وعينا ومكتبتنا المسرحية وتجربتنا المعملية في المسرح؟ ألم تسهم هذه النصوص التي نتلقاها لحظيا عبر المواقع الإلكترونية المتعددة وهي من فضائل العولمة طبعا، ألم تسهم في انفتاحنا على العالم وتجعلنا أكثر اقترابا من قضاياه؟ يقول البروفيسور الفرنسي ميشيل كورفان: «إن إيجابيات العولمة في مجال المسرح هي انفتاح المسرح على العالم الذي أصبح صغيرا ومؤطرا من خلال وسائل الإتصال»، قال انفتاح وليس انصهار أو ذوبان كما تروق العبارة لكثير من منظري العولمة الذين يريدون أن يتوصلوا إلى نتيجة مفادها باختصار شديد محو العولمة لثقافتنا وهويتنا تماما،حتى وإن تعددت مفاهيم هذه الثقافات والهويات في مجتمعاتنا العربية أو تملكت قابلية التعدد، والانفتاح بدوره يهيئ للتطور ومعرفة الآخر بشكل أعمق، لذا لا ينبغي أن نفصل مثلا كل النماذج الفضائية السائدة في بلداننا العربية على جسد المسرح بالضرورة وإن استفاد المسرح التجاري الاستعراضي كثيرا من تقنياتها وخاصة الترفيه، وربما الميزة الأهم التي أنتجتها العولمة، هي التحول والتجدد اللحظيين الدائمين، الأمر الذي يجعلنا أمام تحديات غير عادية في المسرح، ذلك أنها تقترح علينا إيقاعا آخر للتعاطي مع المسرح، وعلينا أن نكون مهيئين له أيضا باستمرار، نحن الآن هنا في قلب العالم وأمام انقلاباته وتقلباته اليومية الهائلة والعصفية، ولا يوجد مكان لوهم يطلق عليه عولمة تلغي الخصوصيات والثقافات وكما لو أن هذه الخصوصيات والثقافات واحدة وقارة ولا تتغير، ولا مكان لإصرار على أن العالمية تنطلق من الخصوصية وتكرسها وبالتالي تأخذنا النستلاجيا نحوها بشكل بكائي غير عادي، فالعالم الآن انفتح على بعضه وعرفنا أكثر من أي وقت مضى خيره وشره، وصارت العولمة هي قارتنا، غرفتنا الكونية، ومن هذه الغرفة تتشكل رؤى المسرح والمسرحيين وتنطلق في أرجاء الكون، تنطلق متعددة الأجنحة والرئات، إذ أن هناك من لا يزال يعتقد أن: «العولمة هي ضرب للاختلاف والتعدد والتنوع وإقصاء للأصوات الأخرى، وهي مركزية تلغي كل الهوامش، وبذلك تفرض ثقافة نمطية تقوم على أساس مسرح وحيد وأوحد لا يمكن الخروج عنه»، نعتقد أن العولمة فضاء أسهم في تعميق الاختلاف بين الرؤى وتخليقها، ذلك أنها أتاحت مجالات هائلة للحوار وتبادل الرؤى والنقد والخلق والإبداع، ولعل بعض المخرجين المسرحيين تمكنوا من خلال المواقع الإلكترونية خلق مشروعاتهم المسرحية ورسمها والتشاور والتحاور فيها، الأمر الذي أكسب هذه المشروعات روحا أكثر انفتاحا على العالم وأكثر اتصالا به، فكيف تقصي العولمة الأصوات الأخرى وهي تستقبلها بشكل هائل لحظيا، فقط جولة صغيرة على بعض المواقع لترى كم الاختلافات والآراء حول موضوع أو فيلم أو كاريكاتور بث من خلالها، وبالتأكيد أن هذه الحوارات ستقترح في المستقبل صيغ أخرى غير تقليدية للحوار والصراع ولأفضية النص والعرض والتلقي، كما ستقترح أيضا صيغا جمالية وتقنية أكثر لسينوغرافيا العرض المسرحي وستتقاطع من خلالها فنون ووسائط متعددة وستكون مساحة الفعل في المسرح مجسدة ومعضدة، كما ستتخذ حيزا أكبر في مواجهتها كل الجرائم التي ترتكب في العالم في حق الإنسانية.. إذن لنفعل ونتواصل مهما تباعدت الجغرافيا أو اقتربت أو عمقت الصراعات والفروقات، ففي واقع مثل واقعنا العربي وديمقراطياته شبه البائسة، يبقى المسرح حريتنا الأخيرة ومنطلقنا لحوار وإدانة الآخر والتعاطي مع منجزاته، فلعل المستقبل كفيل بأن ينبهنا إلى أهمية وضرورة أن نكون منتجين لذواتنا ولطاقاتنا باستمرار، بدل أن نستهلك أنفسنا في البحث عن منحرف آخر ضل عن جادة الديمقراطية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا