النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

ضمانات الديمقراطية!!

رابط مختصر
العدد 8250 الجمعة 11 نوفمبر 2011 الموافق 15 ذو الحجة 1432

الديمقراطية أشكال، وتجلياتها ماثلة في مستويات عدة، والحقيقية منها فحسب هي التي تتيح متسعا للمواطنة. ولا يُمكن من هذا المنطلق المبدئي أن يكون العرق أو الجنس أو الطائفة مقياسا للمساواة وعدم التمييز، لأن تحول هذه العناصر إلى معطى سياسي جمعي يتحكم في الشأن العام أو يسهم في تسييره يجعلها بالضرورة قائمة على إقصاء الآخر المختلف عرقا أو جنسا أو طائفة. والديمقراطية بهذا المعنى سلاح مضاد للإقصاء والتهميش، وهي من العناصر التي تمنع ثقافة العرق والطائفة والجنس من نشر قيمها، لأنها ببساطة تسمح بأوفر قدر من الحقوق والحريات السياسية والمدنية، وتدعم سعي المواطن إلى تحسين مستوى عيشه المادي والمعنوي من دون الدخول في متاهات أسئلة القيم والعادات والتقاليد التي تُعد كلها مغاليق رجعية متوارثة وأعذارا سليطة يحتمي بها غير الديمقراطي حين يبيح لنفسه توظيف الموروث في ترسيخ استحكاماته الفكرية وتعميم فظاعاته الاستغلالية. وعليه لا ينبغي للمواطن أن يقنع بديمقراطية لا توفر له الحرية التامة ولا تتيح له تسخير مقدراته في تنمية مجتمعه. ويقينا أن الديمقراطية التي تم التحقق من فاعليتها في إدارة الخلافات والاختلاف هي قدر الشعوب، وهي خيارها الأوحد، حتى الآن للحد من سطوة المال والإيديولوجيا والقيم الفضفاضة التي تُشكل مجتمعة أو منفردة وقودا يشغل ماكينة الاستبداد وتسهم في تكريس سلوك إداري وتنظيمي ومالي معين يمارس فعله في إذلال الإنسان والحط من كرامته. إن تكرس الاستبداد مرتبط في أي مجتمع بالتمييز واختلال ميزان العدالة وتفشي اللامساواة بين الناس، وهي بالضرورة مقدمات لانفجار العنف نتيجة منطقية، ولذلك ينبغي إعمال الديمقراطية لترشيد السلوكات والمحافظة على الاتزان والتوازن بين المكونات الاجتماعية، وعلينا في هذا المجال أن نستلهم الدروس من دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان. ولكن لا ينبغي أن نؤخذ، نحن معشر الناس، بمفهوم الديمقراطية هكذا بالمطلق، وفي عمومية ما يتم طرحه من تشويه لهذا المفهوم، سواء كان هذا التشويه ناتجا عن قصد أو عن سوء فهم، خصوصا في الفضاء العربي الذي تُفرغ فيه الأحزاب ذات الطبيعة المحافظة المفاهيم من دلالاتها وتطوعها قسرا لخدمة أهدافها، وتنحرف بها لتستوي مطية تمرر عبر ركوبها أهدافها وأغراضها التي هي بالتأكيد في اتجاه معاكس لأهداف المجتمع وأغراضه وهمومه. وليس ببعيد عن وعينا ما تعرض له مفهوم الديمقراطية ذاته، إذ لا تزال عالقة بالذاكرة تلك المعارضات الشديدة التي تزعمتها أحزاب الإسلام السياسي التي تقبل بهذا المفهوم حينا في مناورات سياسية لا تخفى مقاصدها على أحد وترفضه حينا آخر، فالديمقراطية عندهم مستورد غريب وافد علينا من غرب علماني كافر لا يريد لنا الخير أبدا. وقد انتهت تلك الأحزاب إلى الاقتناع بحتمية قبول مفهوم الديمقراطية كما هو، ليعود إلينا من جديد مجتذبا هذه المرة نقاشا بيزنطيا صار معه مشروعا صهيو- أمريكيا لا يراد به لنا إلا الشر. وستبقى هذه القوى على مناوراتها وممانعتها في قبول هذا المفهوم كما هو لطالما ظلت متشاكلة مع الآخر عقائديا على الرغم من أن الديمقراطية ليست مذهبا سياسيا أو فرعا من الإيديولوجيا وإنما هي طريقة أضحى توظيفها شائعا لإدارة الحكم وتحقيق أهداف وغايات مجتمعية على قاعدة العدالة والمساواة والحريات الشخصية. ولا يغرنكم، في هذا الإطار، دفاع تيارات الإسلام السياسي عن الديمقراطية، ذلك أن الديمقراطية هي الآن رافعتها الدستورية لقيادة المجتمعات والتشريع لها وهي من يدفع بها إلى ظاهر المشهد السياسي لتتبوأ صدارته وتستثمرها قدر استطاعتها لتنقلب عليها بعد ذلك، وعن ذلك تحكي تجارب كثيرة عربيا وإسلاميا. ولا ينبغي أن ننسى في هذا الإطار أن تيارات الإسلام السياسي هي أول من يقف في وجه حرية التعبير والحجر على الرأي وهما عنوانان مهمان في يافطة الديمقراطية، فكيف يستقيم ظل الدعوة إلى الديمقراطية وعود الداعي إليها أعوج!!؟ والحديث عن الديمقراطية في مجتمعنا البحريني هذه الأيام ذو شجون، فهل أن من يمارس العنف في شكله الخارج عن كل منطق سيكون يوما ما ديمقراطيا؟! إن الديمقراطية شكل متقدم من أشكال الممارسة السياسية والاجتماعية والفكرية، ومن أهم ضمانات ديمومتها احترام حقوق الإنسان وما تتضمنه هذه الحقوق من حرية الرأي والمعتقد وغيرها من منحوتات الفكر الإنساني. فهي لن تنجح في أن تكون إطارا للحكم ما لم تتوافر على تيار عريض يؤمن بها ويوسع من ممارساتها في أطره الحزبية وفي صلب المؤسسات المجتمعية ليقطع مع القدرية والتواكلية في تصريف شؤونه ويقبل بالرأي الآخر في ممارساته ويجعل منه متكأ يعول عليه في إثراء الرؤى وتعدد زوايا النظر والتوصل إلى حلول محكمة وصحيحة تنتشل المجتمع من براثن النظرة الأحادية القاصرة. ذلك أن الرأي الآخر عمق ثقافي يوفر مصدرا جديدا لثراء معرفي تشكل له الديمقراطية مساحته وفسحته لممارسة دوره في تعميق التنوع وإثرائه. ومن هذا الفهم للديمقراطية نتساءل هل أن الأحزاب السياسية في البلدان العربية مهيأة لتسلم زمام السلطة في بلدانها، وفقا لمبدأ التداول السلمي لها؟ وقبل الإجابة على هذا التساؤل ينبغي القيام بإطلالة استقرائية لواقع الأحزاب السياسية وظروف نشأتها، وطبيعة ممارساتها. فهذه الأحزاب تتحرك في ثلاثة فضاءات واسعة: قومية، ودينية وماركسية. ولن تعوزنا الفطنة في اكتشاف أن هذه الفضاءات تنتمي بنيويا إلى الراديكالية وتدور في فلكها، وأنها مشدودة إلى ممارسات اجتثاثية، لأنها قائمة على أسس عقائدية تعطي الأولوية في تربية منتسبيها إلى عقيدة الحزب، وتميل- وتلك حال أغلبها- إلى التشدد المؤدي إلى العنف. وذلك لزعم قائل بأن عقيدة الحزب مصدر للطهر والتعفف الثوري، ولذلك فهي لا ترى الحقيقة ماثلة إلا في ثنايا مقولاتها ولا تستظل إلا برايات نظرياتها أما ماعداها فخطأ أو تحريف تتعالى على محاورته ولا يستحق منها الاستماع، وفي ذلك تناقض بين مع ما درجت عليه الفلسفة العلمية من إيمان بنسبية الحقيقة وبطبيعتها التراكمية التي تجعل الظفر بها كاملة في زمن بعينه أمرا خارجا عن حدود الاستطاعة البشرية. ولقد كشف لنا «الربيع العربي» عن قوى سياسية أريد لها أن تمسك بزمام الأمور في مجتمعاتها فركبت موجة الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهل هي قادرة على الوفاء بوعودها في إرساء منوال ديمقراطي يتخذ من حقوق الإنسان بوصلة يُستدَل بها على كافة الانتهاكات، ويعترف بالحريات الشخصية والعامة من دون وصاية من أحد، أم أن تلك المجتمعات لن تجني من ربيعها إلا «كلمات ليست كالكلمات»؟!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا