النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

وداعــــــــاً يــا طـــــيب القلـــــب!!

رابط مختصر
العدد 8234 الأربعاء 26 أكتوبر 2011 الموافق 28 ذوالقعدة 1432

يختلف تأثير الناس في الحياة باختلاف مواقعهم في الزمان والمكان .. والمكانة. وقد اخترت أن أحدثكم عن واحد من هؤلاء الناس، ترجل من صهوة الحياة مسلما الراية لابنيه «علي» و»راشد» أمدهما الله ووالدتهما بالصبر والسلوان، وبدد الحزن عن والدته وأخواته وأخويه وأعانهم جميعا على تحمل آثار مصابهم الجلل. كانت مكانته في الزمن والمكان بارزة، لا بحكم الوظيفة، ولا بحكم المال، ولكن بحكم مساحة الطيبة ودماثة الخلق والاحترام التي كانت مجتمعة زرعا ثابتا في سلوكه، تفيض من قلبه المترع حبا للآخرين فتشيع في قلوب من أحبوه هالة من الألفة وطيب المعشر والسعادة وحب الحياة والخير والجمال، إنه ابن عمي، وصديقي المرحوم محمد بن علي الماجد، الذي انتقل إلى جوار ربه مكللا بدعوات محبيه إلى جنات النعيم بحوله تعالى. وإذا كان الحديث ذا صلة بعلاقتي العائلية به فإن صلة الحديث به صديقا هنا أكثر وأمتن وبالقطع فإن صلة ما تقرؤونه بإنجازات المرحوم في مجاله الرياضي ضعيفة، لا لسبب إلا أنني لست على صلة بما فعل، ولن أحدثكم عمّا أنجز في مجال مهنته في سلك التعليم الذي يكفي أنه قضى فيه زمنا مديدا ناهز الثلاثين عاما يعمل بجد ومثابرة، ولكن حديثي سيقتصر على تذكر وعرض مشاهد من ممارساته الإنسانية في علاقاته مع الآخرين التي إن تحلى بها الإنسان ضمن صيتا طيبا يبني به رصيدا لا ينضب رحمة وغفرانا له. كانت علاقاته وصداقاته عابرة حدود الوطن، متشعبة داخله، وقد انعكس ذلك في جنازته المهيبة التي خرجت لها أعداد غفيرة من محبيه، فما كانت كثرتهم إلا شهادة على معدن المشيَّعِ والمشيِّع، وإبرازا لوسام عجيب لا يحظى به الطيبون منا إلا حين يغادرونا ليمتطوا جواد رحلتهم الأخيرة إلى مواكب الأبدية. شريط جميل من المشاهد الاجتماعية التي كان لك فيها حضور يا ابن عمي وصديقي عبر في ذاكرتي وأنت محمول على الآلة الحدباء المتجهة بك إلى الأبدية حين كانت تتناقلها أكف تتضرع إلى المولى أن يتغمدك برحمته ويتولاك بكريم عفوه وغفرانه، لقد أدركت وقتها معنى الفقدان عمادا لكل خطاب رثائي يكتسب صدقه من صدق الود الذي نحمله للفقيد وحرارته مما كان يجسده المرحوم بإذنه تعالى مكانة وحضورا كان فيهما مثال الطيبة والحس الاجتماعي وصورة نموذجية للبحريني المتيم بعشق الأرض والبحر والآخرين، وأيقنت أن الموت المغيب للأجساد فرصة للذكر والذكرى يتناغم فيهما الأثر مع وجع الفقد، ومشاعر الأسى والحزن مع العقل الرادع الحاث على التصبر والاعتبار تناغما هو جوهر شدة وقع حدث الموت علينا. ها أنت الآن أبا علي تستقر في كنف الأبدية التي هي مستقر كل ابن أنثى وإن طالت سلامته، حيث الصمت الذي كنت تتعاكس معه أبدا، ولم تألفه البتة، بل ولم تكن لتحب من يألفه. لم تكن أبدا لتسمح أبدا أن يخالط جلستك الصمت مع من كان، فقد كنت دائم الحديث وبرعت في الفكه منه مما جعل من حضورك سببا في إشاعة البسمة. تذكرت قبل أن توارى الثرى عشقك للحياة، وولعك بكل جميل فيها .. تذكرت مواقف قبل أن يغيب جسدك في التراب ويصير جزءا منه ومكونا من مكوناته.. وتصبح الذكرى من الطراز الذي لا ينسى. تذكرتك ابن عمي وصديقي عندما وقفت بجواري ونحن، مع من حضر، نواري جثمان عمي محمد وبعده عمي راشد، وكان بين وفاتهما وفاة والدي الذي حال حضوري جنازته وجودي خارج البلاد، وكذلك حصة زوجة عمي وعمك محمد التي أبكتنا بصورة هستيرية عندما اختطفتها يد المنون على حين غرة، تذكرتك وقد قلت لي حينها: هل من معنى لهذا البكاء لولا المكانة التي كان يمثلها عمي محمد في الهيكلية العائلية، وأضفت إلى قولك ولا تنسى إن الدور الموازي الذي كانت تلعبه هي في هذه الهيكلية خصوصا عندما كنا في بيت واحد، في البيت العود ؟... تذكرتك أيها الغالي والطين يتطاير من لهفة محبيك وهم يهمون لإهالة التراب عليك لترقد قرير العين، تذكرتك وأنت تقول لي عند كل وفاة عزيز علينا: «بس هذه هي الدنيا يا ولد عمي؟!»، فكانت هذه العبارة الأخيرة صوتك حاضرا وأنت تُدفن أمام ناظري ولا قوة لي إلا الذكرى والدمع ودعاء بالرحمة والمغفرة والقبول الحسن بين أيادي الرحمن. صديقي وابن عمي، ونحن قد أهلنا عليك التراب لتسكن هذا البيت الذي لن يساكنك فيه أحد وأنت الذي عشقت دائما أن يكون في محاذاتك ومن خلفك وأمامك من تأنس إليه وتألف. تذكرتك أيضا حين انسكب دمع من أحببت ومن أحبك.. إنني أحصيتها وهي تنهمر مدرارا من مآقي محبيك، ووجدتها منسكبة حارة من عيني علي بوحمود صديقك الذي تسعد بكل لحظات لقائه، هذا الإنسان، الذي أنت قد عرفته وخبرت معدنه الأصيل، لا يدخر لحظة فراغ إلا ويركض للقائك والجلوس إليك .. وهكذا أنت فعلت دائما. أعرف أن ذكر اسمك، وأنت في عالم السكون والصمت، مدر للدموع عندنا نحن في عالم الحياة والحركة. وأعلم أنك تعرف يا صديقي وابن عمي أننا نحبك، وأننا لن نمل من قول إننا نحبك .. إلى أن نلحق بك امتثالا لسنة الحياة والموت!! في مجلس عزائك وجدتك أبا علي، وجدتك في حضرة الغياب تتقبل التعازي، وتتعامل مع كل المعزين على حد واحد من المساواة، لم يغرك مركز فلان ولا وظيفة علان، كما بات شائعا في مثل هذه المناسبات، وهي مناسبات يظهر الناس فيها المواساة إلى أهل الميت ولا يُقبل أن يكون أحد مقدم في التكريم على الآخر. لم تكن يا صديقي تعير اهتماما إلا لاسم الشخص الذي أمامك، مع حفظك لمكانة الكل الاجتماعية والاقتصادية والوجاهية. وجدتك مثل عادتك، حبيبا طيبا مع الكل تتنقل في رشاقة من صديق إلى آخر تطبع قبلة الوداع .. وتمضي تاركا الحسرة تعتصر محبيك. فنم هانئا قرير العين يا ابن عمي وصديقي وصديق الكل، ولتجد في دعائنا لك جميعا بالرحمة والغفران زادا في رحلتك الأخيرة، يا صاحب القلب الطيب .. يا محمد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا