النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

رفقة إعادة قراءة التاريخ!!

رابط مختصر
العدد 8229 الجمعة 21 أكتوبر 2011 الموافق 23 ذوالقعدة 1432

خروجا من مألوف الدائرة الطائفية الجهنمية التي أدخلتنا في حبسها «الوفاق» وشقيقاتها «حق» و»وفاء» و»أحرار البحرين»، القاصرات قانونا والمبتذلات سلوكا والحاقدات طائفيا، ورغبة في طلب الاحتماء المؤقت ضد التيارات المتلاطمة الهائجة التي أوقعتنا في متاهتها هذه الجماعات الطائفية المتطرفة التي تترصد البلاد والعباد بسوءاتها ودسائسها المدمرة للنسيج الاجتماعي؛ فقد اخترت أن أحدثكم هنا عن منطقة ريفية في ألمانيا وصلت منها منذ أيام وهي «باد فيلدباد» التي احتوتني أيما احتواء وخففت عني شيئا من ضغوطات حاصرتني كما غيري من المواطنين منذ الرابع عشر من فبراير ولا نرى في الأفق ما ينبئ بنهايتها، كان سببا في استمرارها ومعاودة ضغوطاتها مشاهد هذا العنف اليومي الذي لا ينتهي بفضل «حكمة» قيادات «الوفاق» و»رصانتها» الفكرية في اختيارها هذا العنف سبيلا لتحقيق أجندة دخيلة على مسار المطالب الوطنية التي اتسمت عبر التاريخ النضالي للشعب البحريني بسلميتها ومطالبها بالإصلاح في ظل حكم آل خليفة الكرام. وعن المناسبة التي جعلتني ضيفا على «باد فيلدباد» لمدة خمسة أيام، والتي أشعر أن اليوم الواحد من أيامها كان يعادل خمسة أيام بحرينية تتلاعب بأمن أهلها واستقرارهم «الوفاق» دون اكتراث بمشاعر الناس ووحدة نسيجهم ومصالحهم، فقد كنت في صحبة رفقة طيبة قلما يحدث أن تكون بهذه المواصفات والتنوع الجميل حتى لو خططت لذلك، راجيا من ربي أن يكون خروجي من حالة الحبس الوفاقية تلك خروجا دائما، بمعنى أن يكون الله قد أمد قيادات «الوفاق» وبعض كوادرها، وخصوصا تلك التي تنساق بشكل أعمى تحت خدر عناوين تجاوزها الوقت مثل: «المظلومية التاريخية» بفضل المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، بشيء من البصيرة والحكمة والرشد السياسي حفاظا على هذا الوطن وعلى ما تبقى من العلاقات التي تربط بين أبنائه. وقبل أن أتحدث إليكم عن المهمة التي من أجلها التأم شمل تلك الرفقة الطيبة بمبادرة من المجلس الأوروبي، وبالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) بمنطقة «باد فيلدباد» في الملتقى الأوروبي 132 حول تدريس التاريخ في عالم يتغير، دعوني ألتمس العذر منكم لأحدثكم عن هذه المنطقة الجميلة التي لم يكن في وارد تفكيري أن أضعها ضمن مخطط رحلاتي، لا الآنية ولا المستقبلية؛ لأنني ببساطة لم أسمع قط بها رغم كثير زياراتي إلى ألمانيا. أقول باختصار إن عصر هذه المدينة الذهبي كان منذ قرن ونصف، وهي تقع في الجنوب الغربي من الغابة السوداء ضمن مقاطعة بادن- فيرتمبرغ. وقد رمت بها الطبيعة على سفوح جبال وأحاطتها بأشجار باسقات تسمى «فير»؛ لتضفي عليها جمالا خرافيا هيولي المستوى. وهي أشجار فائقة الجودة للصناعات الخشبية، ويحكى أن مدينة أمستردام قد بنيت من هذه الأخشاب. أخذ الألمان على عاتقهم مهمة العناية بها فاستجمعوا كافة العناصر المكونة للمكان؛ لتصبح فضاء جغرافيا مميزا للعيش فيه، فبنوا بيوتهم متسلقةً سفوح جبالها، وشيدوا الجسور التي تربط منخفضاتها بمرتفعاتها وتوصل ضفافها بضفافها التي يخترقها نهر «إنز»، وشقوا الطرقات وأقاموا المؤسسات. وإذا كانت المدينة غير ذات قوة اقتصادية لمحدودية الموارد فيها، وفقدت بعض من بريقها الاقتصادي الذي كان، فإن الألمان أعادوا لها ذلك البعض وزادوا شيئا من زخم مرحلتها السابقة فجعلوها وجهة للسياحة العلاجية مستثمرين ما تكتنزه جبال هذه المدينة من المياه المعدنية التي لا تنخفض درجة حرارتها عن 40 درجة على الدوام، وما يدفع به نهر «إنز» القادم من أعالي الغابة السوداء من المياه وجعلها واحدة من أكثر المناطق شهرة في العلاج بالمياه المعدنية في أوروبا. يلفت نظرك وتصاب بالذهول من الحب الذي يظهره الألمان لبلادهم حتى تصاب بالصدمة وتسرح لفترة مع نفسك في حالة من الاغتراب الداخلي تستحضر مشاهدا من وطنك الذي تذبحه «الوفاق» يوميا باسم «وطنية» ما أنزل الله بها من سلطان و»حب» عجيب لا ينطق إلا لغة الكراهية والحقد والإقصاء للأخ الشقيق وابن العم القريب، تشجعها على ذلك جمعيات أخرى كان العشم أن تتوحد لمحاربة التطرف الذي تتزعم مشهده هذه «الوفاق». وحتى لا أستغرق أكثر في وصف المكان وأبدو كمن يغيظ نفسه بتذكر مكانه الذي تعيث فيه «الوفاق» حرقا وتكسيرا للبنى التحتية وتدميرا للعلاقات الاجتماعية التي تشكلت على مدى أزمان، فإنني أعود إلى مناسبة وجودي مع الرفقة الطيبة هاتيك وفي المنطقة الجميلة تلك، وأقول إن الأجمل الذي كان يميز هذه الرفقة هو أنها جاءت من أطر سياسية وخلفيات ثقافية متعددة وانحدرت من قوميات وجنسيات مختلفة، ففيها الأوروبي الذي جاء من فرنسا وألمانيا والسويد وقبرص واليونان وملدوفا ( ملدافيا سابقا) ولاتفيا وجورجيا ونيوزلندا وفرنسا وبريطانيا وبلجيكا، والعربي الذي جاء من البحرين ومصر وتونس وعمان والأردن وفلسطين والمغرب والإمارات، فكان ذلك مدعاة لأتذكر جمالية الخليط العرقي الذي ميز جامعة الصداقة في موسكو التي فيها درست إبان العهد السوفيتي. لقد جاءت هذه الجماعات من أصقاع مختلفة ولكنها كانت تتبنى لغة واحدة هي لغة الأمل في إعادة التفكير في قراءة التاريخ وإنتاجه في ثوب جديد ووفق منطق مختلف عن السائد، ولغة البحث العالم الرصين عن توصيات لإعادة كتابة التاريخ على غير الكيفيات التي بها كتب؛ لإحداث التغيير في طرائق تدريسه وفق منهجيات تربوية مقترحة تقوم على واقعية وتشويق ينسجمان مع حركة العالم التي تتميز بالتغير المستمر والدائم، وتقطع مع منهجية كتابته وسير روايته التي كانت في الغالب متحيزة تضمر الكراهية للآخر وتشيع العنصرية والشوفينية اللتين اجتمعتا على تقسيم الأمم وتصنيفها مراتب تعلو الواحدة فيها الأخرى بحسب الدين أو المعتقد مرة أو الجنس والعرق مرة أخرى، بالطريقة نفسها التي تحاول بها «الوفاق» أن تفعل في مجتمعنا البحريني المتحاب. لقد حفلت اجتماعات الملتقى التي كان يسودها الاحترام المتبادل بين كل المجتمعين وتفهمهم لبعضهم البعض وإيمانهم بأن العمل المطروح لن يستقيم تنفيذه أو الخلوص إلى نتائج مفضية إلى تطبيقه من دون جهد مشترك وعمل مثابر وعقلية مدنية علمية تتجرد من كل خلفية تعصبية عدوانية؛ لأن الكوكب واحد، وإن اختلف تاريخ بلد ما عن تاريخ البلد الآخر. انتهى الملتقى وعدت إلى البحرين فإذا بي أدخل حبس الدائرة الوفاقية الجهنمية ذاتها وأول سؤالين سألتهما زوجتي في المطار هما ذينك السؤالين اللذين بدأت بهما الحديث في أعلى المقال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا