النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

المسرح والعـولمة.. الواقع والملتبس (2)

رابط مختصر
العدد 8209 السبت 1 أكتوبر 2011 الموافق 3 ذوالقعدة 1432

العولمة فتحت أبواب العالم على مصاريعها، وليس هناك خيارا آخر غير التعايش مع ثقافات الآخرين التي من شأنها ان تثري تجربتنا المسرحية وتسهم في تطويرها والارتقاء بها، شأنها شأن من مضى عمره مغتربا في إحدى دول أوربا، إذ عليه أن يقبل تقاليد وعادات وأفكار مجتمع تلك الدولة وأن ينفتح على كل معطياتها ويؤسس لتجربته من خلال ما يقتضيه واقع تلك الدولة وتملكها لأدوات علمية ومعرفية وفنية قل توافرها أو انعدم وجودها في مجتمعه، بل ربما وجد هناك ما يلتئم مع واقعه وتمكن من استثماره أكثر من قدرته على استثماره في مجتمعه، ولعلنا من خلال مشاهداتنا لبعض التجارب المسرحية الأوربية أو غير العربية استوقفتنا مفردات ورؤى قريبة الروح والصوغ من مفردات ورؤى عايشناها في مجتمعنا، ولعل انفتاح العولمة الهائل على هذه الخارطة المعلومة والمجهولة ينبهنا أكثر لطبيعة وماهية ما نتمسك به من تقاليد وعادات وهوية ومعتقد، وعلى ضوئه تقترح على الرأس مناهج جديدة للمقارنة والمقاربة والمجاورة، لذا كثيرة هي العروض المسرحية العربية التي تمكن منتجوها من استثمار رؤى تجارب أوربية فيها، لاحظنا تجاورا ملموسا وقويا بينها، خاصة فيما يتعلق بالشكل المسرحي وبالتعاطي مع الرؤية وكيفية معالجتها مسرحيا، ونماذجنا فيما نذهب إليه، تجارب لبعض المخرجين المسرحيين في تونس والعراق ولبنان بشكل أكثر وضوحا، الأمر الذي لا يدع مجالا لحوار أثروي بين المسرح والفضائيات، إذ إنه بالرغم من استثمار الفضائيات لكل معطيات العولمة والتقنية منها خاصة وذلك بفعل الإتصال التكنولوجي الخالص بها، إلا أن المسرح، وبالذات المسرح النابع من رؤية متجددة ومواكبة لمستجدات التكنولوجيا والعولمة بإنجازاتها الرقمية، قادر على أن يتماهى ويتواصل مع هذه المنجزات ويتخلق ككيان فني حي يستثمر هذه التقنية في عروضه، ولا يقف أمام هذه المساءلات الأثروية حائرا وناقما على الديمقراطية شبه المطلقة الممنوحة للفضائيات ببذخ لا يضاهيه بذخ، أو يطلق صيحات التحذير وأجراس الإنذار خوفا على هويته الثقافية والاجتماعية والتراثية من صناع العولمة ومروجيها، ناسيا أو متناسيا أن الهوية في حد ذاتها متسع كوني يمضي في فسحه الإنسان، وبالذات الإنسان المعاصر، حاملا معه أسلافه الأسطوريين والواقعيين من شتى أرجاء الكون كونه كائنا متصلا ميثولوجيا وعلى أرض الواقع بكل معطيات التقنية ولا مناص من ذلك الاتصال والتأثر. لماذا ننبه ونحذر من العولمة؟ إلى هذا الحد نحن معدومي الثقة في أنفسنا حتى نخشى العولمة؟ لماذا لا نبحث عن لغة أخرى غير التحذير والتنبيه ونترجمها ونجسدها عبر المسرح بثقة ودون تحرز من العولمة؟ لماذا نستليذ غالبا ونتوجس من الأكثر قدرة منا على التجاوز وكما لو أننا نعلن بشكل أو بآخر أننا الأضعف ولا وسيلة أمامنا لمواجهة هذا العدو المدعو عولمة إلا بالتشهير فيه، بينما هذا الأسلوب لا يتماشى على الإطلاق مع الديمقراطية التي نزعم أننا نطالب بتحققها أو بالعيش في كنفها؟ كيف نكون ديمقراطيين ونحن نرفض الآخر أو نخشى تعدده؟ كيف نرفض هذا التعدد ونحن نشتغل في مجال يفترض المتعدد والصديق والعدو في آن، وأعني به المسرح؟ كيف نكون ديمقراطيين في المسرح ونحن نرفض التعددية في الديمقراطية التي نطمح في تحققها على أرض الواقع أو نعيشها على هذه الأرض؟ إن خطاب التنبيه والتحذير والذي يحمل في أحشائه بعبعا أصوليا إقصائيا، لم يعد مجديا مع استفحال ثورة العولمة في هذا الكون كله، وعليه لم يعد المسرح معنيا بقضاياه المحلية أو المحيطة به من قريب أو بجوار سواحله وضفافه ويابسته فحسب، صار المسرح بحكم ولوجه ـ مضطرا أو طائعا ـ ولوجه كون العولمة، معنيا بكل ما يحدث في العالم بمختلف قاراته وجهاته وعليه أن يواكب كل ما يطرأ من أحداث في هذا العالم، ذلك أن العولمة حولت كل الأوطان إلى وطن واحد مهما تباين الاهتمام أو أجحف شعب هذا الوطن وأغنى ذاك، تحول تجاوز عولمة المقدسات والأديان المشتركة بين شعوب الأرض، تحول سرى في تفاصيل ودقائق الحياة اليومية، تحول أفسح مجالا سلبيا أو إيجابيا لتحويل الصورة أو المتلفز أو الفضائي إلى حالة حية أصبحت معها شاشات المواقع الإلكترونية بتقنياتها الإتصالية الهائلة غشاء شفافا تتجاور من خلاله حيوات الكون كله وكما لو أنها تمسرح على سبيل التجسيد لا العرض، لذا أرى أن هذه الثورة العولمية والمعلوماتية والاتصالية قد وضعتنا أمام تحديات لا حدود لحصرها واجتياحاتها وتغيراتها، والمسرحيون اليوم مطالبون أكثر من أي يوم مضى، قبل عهد العولمة، وثورتها أن يستوعبوا هذا الاشتباك الكوني فيجددوا لغتهم وأدواتهم ورؤيتهم كي يكونوا جديرين وأكفاء لهذه المهمة الملقاة على عاتقهم، كما أن على الجهات المعنية بالمسرح أن تهيء للمسرحيين كل ما من شأنه الإسهام في التعرف عن كثب على هذه الثورة العولمية ومعطياتها المتجددة دائما، إذ لا يمكن مواجهة الآخر أو التصدي له دون إدراك حجم قدرتك على هذه المواجهة وهذا التصدي، ودون استيعاب أننا بصدد المسرح الكوني وليس العربي كما شاءت اللغة والذي يستثمر قضاياه وفق ما يطرأ في الكون كله، دون ذلك لا مكان للجعجعة في هذا الكون العصفي أبدا والذي لا ينتظر إذن من أحد حتى يمضي أو يتوقف أو يتغلغل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا