النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10907 الاثنين 18 فبراير 2019 الموافق 13 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:54AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:07AM
  • المغرب
    5:33AM
  • العشاء
    7:03AM

كتاب الايام

المسرح في عصر العولمة الواقع والملتبس

رابط مختصر
العدد 8202 السبت 24 سبتمبر 2011 الموافق 26 شوال 1432

إن أغلب الفعاليات العربية التي تستضيف العولمة في محاورها بشتى سياقاتها، تحسم الأمر وبشكل جهوزي النزعة والتوريث على أن هذه العولمة هي الخطر الأمريكي الذي يهدد ثقافتنا وهويتنا ومعتقداتنا، هي فعاليات مهووسة بنظرية المؤامرة، وتتمثل بالتالي هجومها الموازي على أمريكا والعولمة والديمقراطية الأمريكية الإمبريالــية وما أنتجتـــه من كل مساوئ لا تحــصى في هـــــذا الكون (ا قتصادية وبيئية وإسكانية وصحية)، تتمثلها في العولمة حصرا بوصفها العدو المقدور عليه كلاميا والممكن استحضاره في ندواتها ومؤتمراتها وملتقياتها دون أدنى جهد أو عناء، في الوقت الذي تعجز فيه عن تشخيص وتفكيك عللها ومصائبها التي ربما تمثل خطرا فادحا عليها أكثر من أي مفهوم أو مصطلح لصيق الصلة والإنتاج بأمريكا أو أوروبا، هي فعاليات رجراجة تتوهم الإدانة للآخر من منطلق وجود رؤية مضادة خيرة وإصلاحية، هي في حكم الوهم المتعاطى غير موجودة أصلا، فكيف تدين هذه الفعاليات العولمة في غياب الرؤية والديمقراطية الفاعلة والمنتجة عن مجتمعها؟ ربما لا أحد يختلف منا على أن للعولمة الأمريكية إشكالات ومصائب ترتبط مباشرة بمصالح الإدارة الأمريكية وبسياستها الهيمنية في العالم كله وليس في العالم النامي أو الشرق الأوسط فحسب، ولكن هل تملكنا القدرة والحنكة على مواجهة المصائب التي تتراكم بشكل نووي وهائل في مجتمعاتنا، مصائب تتجسد في الفقر والتلوث والتصحر وانتهاك حقوق الإنسان بشكل مفزع ومروع وغيرها من مصائب لا يحصى عددها؟ هل تخلو مجتمعاتنا من الماكيتات الأمريكية التابعة والتي تمارس وحشيتها على شعوبها ربما بشكل أكثر ضراوة من وحشية السي آي إي على الشعب الأمريكي؟ لماذا نعلق كل هذه المصائب على المشجب الأمريكي وكما لو أننا الواحة النقية الخضراء البريئة الطاهرة المستهدفة الموهوبة لهذا الكون الواسع؟ لماذا لم نسأل عن أسباب هذه المصائب ومخلفات من هي في الأساس؟ أليس غياب الديمقراطية عن مجتمعاتنا أو تعثرها أو رسمنتها واحدا من هذه الأسباب؟ ولنسلم أن العولمة هي كذلك كما شاء لها من أيقن أو ظن أو تآمر، فهل تشكل لدينا في المقابل خطاب قرائي نقدي تحليلي قادر على اختراق كوكب العولمة وخلق حالة متكافئة في مواجهة غيلان هذا الكوكب وتنانينه مثلما تشكل في أمريكا ذاتها مثلا مفكر كنعوم تشومسكي ومفكر عربي كادوارد سعيد؟ وياترى من واجه شركات رأس المال الاحتكارية الكبرى في مؤتمر منظمة التجارة الدولية؟ أليس من تظاهر وتعرض لهراوات البوليس دفاعا عن حقوق العالم النامي والمطالبة بكف يد الفقر عنهم،هم المنظمات والنقابات في سياتل أمريكا؟ لنعد للجانب المضيء في العولمة والذي يواجه الفضاء المعتم فيها.. المسرح في حد ذاته وفي كيانه الخاص به حالة ديمقراطية، فهو يتوفر على الحوار وعلى نماذج متعددة من مجتمعات موجودة على أرض الواقع أو متخيلة، وعلى صراع، بجانب كونه لقاء حيا بالمتلقي أو المتقبل، كما أنه ـ بوصفه منتم لحقل الفن ـ يتمتع بصلاحية التجوال في الكون الذاتي أو المجتمعي الأوسع والأشمل، إذن هو عولمي منذ النشأة، فهل نرفض المسرح لكونه كذلك؟ وألا يعد رفضنا له كونه كذلك نوعا من أنواع ممارسة العسف اللاديمقراطي ضده؟ إذ إن أول شرط للديمقراطية هو قبولنا بالآخر مهما كان حجم اختلافنا معه، فإذا استأصلنا هذا الشرط كيف يجوز الكلام عن الديمقراطية؟ المسرح فن يتجاوز أي حديث عن الأدلجة أو التوجيه، هو فن مغامر وجسور وسائل بلا نهايات، ونحن ولله الحمد غالبا ما نخضع المسرح للأدلجة الضيقة المحدودة واللاإنسانية في أغلب الأحوال، ونخلط بينه كونه فنا له مقتضيات التحرر وبين مرتكزاتنا وثوابتنا الواقعية والأيديولوجية إن صح التعبير والتمرير، ويجري بعدها الكلام عن ضرورة عربنة المسرح وقوميته خشية عليه من العولمة ـ وكما لو أن العولمة هي وعاء واحد للغة واحدة ـ، وتتأصل الوصاية عليه كونه فنا تابعا لا بوصفه فنا سائلا ومنطلقا وحرا غير مستعبد بأفكار ميتة وعفنة، وهنا تكمن وتطفر الطامة الكبرى، حيث يتحول المسرح إلى سجن وسجان ومسجون لهذه الأفكار، وبدلا من أن يكون فنا لصيق الصلة بالديمقراطية التي فطر عليها يتحول إلى سلطة ديكتاتورية عسفية، معتد ومحتف بقوالبه الفنية والفكرية الجامدة ومصدر لها في آن، ونماذجنا في المسرح العربي من نصوص وعروض طبعا ليست بقليلة ، فرائحتها تزكم الأنوف حتى قبل أن تنتج، ودليلنا إلى ما نذهب إليه، الهجوم المتواصل لأي تجربة لها علاقة من بعيد أو قريب بالتجريب، والتي أعتبرها من وجهة نظري، مهما كانت إشكالاتها، حالة من حالات البحث والحفر وتدشين الأسئلة في مواجهة القوالب والأجوبة الجاهزة والمنغلقة، لا المقلقة والمؤرقة كما هي حال التجريب، فالأسئلة والبحث والحفر هي ركائز أساسية من ركائز الديمقراطية في المسرح، ومن يرفضها يعلن سلفا رفضه لأي ركيزة من هذه الركائز. إن ما يعنيني في هذا الموضوع هو تشخيص وتفكيك العلل التي ساهمت في تعطيل وتجميد بؤر الإنطلاق والتحرر في المسرح، ما يعنيني هو خلق ثقافة التمرد على هذه القيم البالية والمهترئة التي تزعم أن المسرح شكل واحد، لون واحد، صوت واحد، لغة واحدة، شخص واحد، مكان واحد، زمن واحد، نوع واحد، فكر واحد، أحد أحد، هذه القيم التي استعارت واستضافت شكل المسرح وثقافة المسرح من الغرب ومن عالم غير عالمها وراحت فيما بعد الاستقرار والإسترخاء الذهني تشن كل أسلحة الهجوم لديها على الغرب وعلى من يتغربن بشكل آخر عنها في رؤيته للمسرح، وصار كل شكل آخر في اعتقادها شكل ضار لأنه ينتمي للعولمة أو ما يشابه هكذا إسم ، بل ربما باتت تحتفي بعلم أو دون وعي بأصولية جديدة في المسرح بالرغم من رفضها ضمنا أصولية الإسلامويين، فهل يوجد أجمل وأروع من هذه المفارقة التي تنتج أصوليتها من رحم فن ينتمي أساسا للديمقراطية في سياقاتها الإنسانية المتعددة والرحبة؟ هؤلاء الأصوليون يريدون للمسرح أن يترجم جدول أعمال وقرارات وتوصيات مؤتمرات القمم العربية في مواجهتها أو وقوفها مع أمريكا، يريدون أن يتحول المسرح إلى منبر لخطاب يعتليه شيخ يومئ بعصاه فتستجيب لها القطيع طائعة مذللة، وبالتالي مثل هؤلاء تؤرقهم التجارب المغايرة لخطابهم. أنا شخصيا ينتابني فرح لا يضاهى عندما أشاهد تجارب تغاير هذا الخطاب، وبالرغم من تعثرها وتخبطها أحيانا في محاولة بلورة رؤيتها الفنية، إلا انها تأخذني، تدفعني للسؤال، لأنها تجارب غير تامة، أنا أحتفي بالجملة غير التامة، لأنها تترك فراغا مهما ولازما للسؤال والبحث والخلق والإبداع، وكلما استفحلت مثل هذه التجارب في وسطنا شعرت أكثر بأن الوهن الواحد ماض إلى حتفه عما قريب، ولا يحتفي بالوهن الواحد سوى العاجز عن إنتاج معنى جديد لوجوده ولتجربته.. كيف نريد ان نمنع ذواتنا من التواصل مع التجارب الجديدة في العالم؟ كيف نمنعها ونصادر حقها في تبني بعض الرؤى الفنية والفكرية الخلاقة في العالم؟ العالم لم يصبح كما جرى سائد الكلام غرفة كونية، إنما اصبح أصغر من ذلك بكثير، ربما أصبح جهاز بحجم علبة الكبريت، عالم يأخذني معه إلى عوالم واقعية وافتراضية رقمية هائلة، ويضيف لتجربتي، لوعيي، ما تخلفت عنه سنون عجاف في البلدان العربية، التي هي بمثابة، بل هي بشكل أدق، بؤر لرفض الوعي والتجدد والإبداع والمغامرة المسئولة.. العولمة ، أو عالم العولمة ، شرقا وغربا وكونا أطلعني على تجارب مسرحية ورؤى عميقة في المسرح ، لم اكن لولاها لأطلع عليها وأزداد فضولا لتبني كثير منها ، أطلعني على مساحات متعددة وحرة للبحث وللإستضافة في التجربة ، ولولا ذلك المضطهد المتهم المطارد اللقيط المدعو مسرح تجريبي الذي أتاح لي ولغيري من المؤرقين بالبحث والأسئلة مشاهدة تجارب ظلت غائبة عن المشاهدة العيانية الحية لكنا في خبر الوهن المسرحي الواحد المحاصر بين تأصيل الخطاب المسرحي العربي ومعاصرته من منطلق التأصيل أيضا ، تجارب من شأنها أن تراكم وتنبث في أجساد ورؤى أخرى ، وليست تجارب رهينة وأسيرة للمناسبة أو الحالة الظرفية الآنية أو النص المصمت ، تجارب تمنح حرية الحوار والخلق وتأسيس الرؤية القائمة على وعي جماعي مختبري منشغل بأسئلته ، قادر على توليدها ونسفها في آن ، وكما لو أنه يروم خلق الكون من جديد ليعيد إنتاجه بشكل وبرؤية آخرين ، منجذب نحو ديمقراطية أكبر من أن تتصورها الديمقراطية نفسها ، ومنخرط في عولمة لا يقف عند قبوله لها أو رفضها بوصفها منتج أمريكي ، بقدر ما يمعن مبضعه فيها من أجل قراءتها وتحليلها وتفكيكها بوصفها إشكال جاز تعاطيه بشتى الرؤى من بعد تعرشه قمة هرم الكون بأكمله ، لذا نلحظ بعض المخرجين التجريبيين ـ والذين يحلو للبعض من باب النكاية بهم أن يطلق عليهم عولميين ـ التجريبيين الذين لديهم وجهة نظر قد لا تتفق مع العولمة أو ربما تدينها ، لا يمكن أن يستغنوا عن مكتسبات كثيرة منها في عروضهم المسرحية التي تدين هذه العولمة وبشكل ديمقراطي قلت ممارسته في كثير من التجارب المسرحية في العالم العربي ، وذلك باعتبار العولمة مشروع اختلاف، لا مشروع رفض مسبق وجاهز وإقصائي ، فهو موجود وعليك أن تثبت العكس ، وكلما توفرت هوامش ديمقراطية أكبر وأوسع في الفعل المسرحي ، تمكنا من إزاحة بعبع الرفض الأيديولوجي الذي يرى بضرورة محاربة العولمة ومن يتبناها، وكما لو أنه يخشى على ديمقراطيته الموهومة من خطر العولمة. المسرح إذن ـ كما يذهب إلى ذلك المخرج المسرحي الراحل الدكتور عوني كرومي « فعل حياة وبقاء وتطور وسؤال دائم عن الكينونة والوجود وعملية إبداع الذات إلى جانب كونه رحلة ومغامرة في المستقبل»، فهل يمكن الحديث عن المستقبل في ظل حصار الوعي وحجب الرؤية عن خلاياه كي لا يتنفس هواء الديمقراطية الذي هو بمثابة زاده وزوادته و بوصلته إلى الحياة التي يحلم بتحققها ؟ وهل يمكن أن نجزم بأن العولمة بمعزل عن هذا المستقبل مهما كان مصدرها أو رؤيتنا فيها؟ وهل يمكن أن يكون المسرح فعل حياة في ظل رفضنا للفعل ذاته ورداته في آن ؟ وهل يمكن أن يكون لنا وجود فعلي في الحياة في ظل من يتقصد وأد هذا الوجود ؟ وهل يمكن أن تكون للسؤال قيمة في تجاربنا دون الشك والإرتياب فيه ؟ وهل يمكن أن نتحدث عن المعاصرة ونزعم اننا عصريين ونحن لم نزل بعد مشدودين بقوة غير عادية نحو توريط هذه المعاصرة بأجوبة التأصيل للمسرح العربي ؟ وشتان بين التأصيل والمعاصرة، فإذا كان التأصيل انشغال في توطين التجربة ، فإن المعاصرة ذهاب نحو التنقيب في تضاريس الرؤية للعالم ، وكلما اتسع أفق التجربة ، أصبحت أمام مسئولية أكبر تجاه أسئلتها للكون ، وبالتالي ربما تكون في مواجهة صعبة مع جحيم أهل الأجوبة الجاهزة والمعلبة والقهرية في مؤسساتنا العربية الرسمية والمرسمنة والمترسمنة التي تحتفي بأشباهها غالبا، والتي تريد لها الإكتفاء بما هو مملى عليها فحسب ، مواجهة قد تكون فيها أطراف مسخرة من المسرح ذاته لتعزيز وترسيخ هذه الأجوبة، وتلك مصيبة أخرى ، إذ أن من يعمل في حقل المسرح يصبح وفق إملاءات هذه المؤسسات ندا لدودا لمن يعمل معه في الحقل نفسه، وشواهدنا لو أحصيناها في مسرحنا العربي كثيرة وموجعة ومفجعة ، فكم من المسرحيين القلقين المؤسسين لوعي مسرحي مغاير في مسرحنا العربي كانوا أول الضحايا لهؤلاء الذين وهبهم الله نعمة الفنان والمتسلط في آن ، ولعل أمثال هؤلاء يجدون مرتعا خصبا لخدماتهم الجليلة في ظل غياب الديمقراطية الحقيقية عن مجتمعاتهم ، بل في ظل غياب الديمقراطية على الإطلاق. المنقبون في المسرح لا يؤمنون بضرورة التبني الأبدي لقضايا إنسانهم في مجتمعه فحسب، إنهم يتبنون قضايا الإنسان في أي موقع على هذه الخارطة الكونية ، وبالتالي يشعرون دائما بالحاجة إلى هوامش أكبر وأوسع لحرية التعبير، وكثيرا ما اتهم مثل هؤلاء المنقبين بالتخلي عن قضايا مجتمعهم وبالخروج عن وعلى هوياتهم العربية والإسلامية وبعولمة هذا المجتمع وتجييره نحو الغربنة، بينما هم يتوجهون عميقا نحو هذا الإنسان ونحو قضاياه، ديدنهم البحث عن قلق مشترك وحلم مشترك مع هذا الإنسان، ليس من باب الوصاية المعرفية عليه ، وليس من منطلق إصلاحي متفق عليه لدى أهل السياسة والأيديولوجيا ، إنما من زاوية ترجمة هذا القلق في فعل المسرح بعيدا عن أي رسالة دعوية وادعائية ، ولكنهم يريدون لهؤلاء المنقبين أن يكونوا مفلكرين غاية الفلكرة كي يكونوا أجدر بهويتهم العربية والإسلامية، وهذا لن يحصل أو يتحقق لمن عاكست رؤياه التيار السائد، خاصة وأنه يعي أنه يعمل في حيز لا ديمقراطي ولا يحفل بالعولمة إلا من منطلق استثماره لها باعتبارها حيزا صوريا للديمقراطية تبرر مواكبته للعالم ..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا