النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10967 الجمعة 19 أبريل 2019 الموافق 14 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

صيف البحرين.. ملتقى ثقافات الشعوب..

رابط مختصر
العدد 8132 السبت 16 يوليو 2011 الموافق 15 شعبان

ذهبت بعض الأقلام الصحفية في بعض صحافتنا المحلية، إلى مهاجمة فعاليات صيف البحرين التي تنظمها وزارة الثقافة، باعتبارها فعاليات جاءت في غير وقتها وتزامنت مع محاولات تعافي البحرين من المحنة الأخيرة التي مرت بها، بجانب كونها هدرا للأموال التي بإمكان الدولة استثمارها لمشروعات وطنية أكثر أهمية من الثقافة، إضافة إلى كونها ثقافة وفنون تأتي على هامش أولويات المواطن وليست بذي علاقة مباشرة وحيوية بشؤونه واهتماماته.. هذه النظرة الضيقة والمحدودة للثقافة، تعكس مدى السطحية والعقم الفكري لمن يتبناها وينافح عنها بحمق (استثنائي)، إذ الثقافة الخلاقة تلعب دورا كبيرا وفاعلا في التقريب بين الشعوب وتصلح الكثير مما أفسدته السياسة، وتسعى إلى تشكيل وعي مستنير ينبذ الطائفية ويحصن ذاته من آفات العنف والكراهية والبغض والإرهاب والتطرف.. إن الثقافة الفاعلة بجمالياتها ورؤاها الخلاقة تهيء خلايا الوعي لقراءة حصيفة للواقع وتؤسس لجيل يدرك أن أولويات أي مجتمع مستنير هي الثقافة الخلاقة التي تعتبر بلا منازع حصانة الوعي ومضمار تطوره ونمائه.. من هذا المنطلق، يأتي (صيف البحرين) الذي دشنته وزارة الثقافة في نسخته الثالثة ليؤكد على عمق ومدى أهمية التواصل بين الثقافة والشعوب، ولا يأتي لكونه مادة مسلية وترفيهية لشغل الفراغ فحسب وهدر المال العام كما يعتقد البعض.. ففي خيمة (نخول) تكون مع الشخصية الكارتونية البحرينية بحق والتي تجسد رمزا تاريخيا وحضاريا عرفت البحرين منذ أزمانه القديمة والتليدة به، بجانب الألعاب والمسابقات التي تتصل وتحترم عقول الأطفال ومخيلتهم، هي بيئة إشغالية لإنتاج وتشكيل أطفال يعون دور أهمية غرس قيم المواطنة والانتماء للوطن ومدى تواصل هذه القيم مع القيم الإنسانية الرفيعة.. فهل فينا من يرفض مثل هذه الفعالية التي أبهجت أطفالنا وأخرجتهم من قمقم همومنا السياسية الفاتكة ليرو الحياة بعيون وقلوب وعقول ملؤها التفاؤل والأمل؟ ونظير هذه الفعالية، كانت عروض (بارني) الكارتونية التي أمتعت الأطفال والكبار، وأخذتهم إلى عوالم رائعة تقدر معنى أن يكون الإنسان حالما وأهمية أن يكون الإنسان مفكرا بمخيلته.. هذه الفعالية تعلم منها الأطفال الكثير من القيم الإنسانية النبيلة والرفيعة، فمن منا يرفض أن يتواصل أبناؤه مع مثل هذه القيم؟ ومن منا يرفض أن تتجانس وتتناغم كل مكونات المجتمع بمختلف أطيافها وطوائفها في مثل هذه الفعاليات التي كسرت طوق العزلة والتوجس بين أطفالنا جميعا؟ فهل هو كثير ذلك المال الذي يصرف على مثل هكذا فعاليات من شأنها أن تبني وتؤسس لأجيال تتواصل وتلتقي على الحب والوئام؟ أليس ذلك أجدى من تركها نهبا لآفات الطائفية ومآرب دعاة التطرف والإرهاب؟ وإلى الزمن الجميل والفنانة والإعلامية اللبنانية سمر كموج التي صدحت بروائع الفنان الراحل رياض السنباطي، وكان مدخل التواصل بينها وبين روائع السنباطي نجله أحمد السنباطي، وهذا التعاون الفني المشترك في حد ذاته يجسد دور الفن في التقريب بين الشعوب.. وعندما نقف عند السنباطي ذاته، فإننا نقف عند مرحلة التخلق الفكري والحضاري، ليس في مصر فحسب، وإنما في الوطن العربي كله، حيث برزت وتجلت رموز الفكر والفن التي أثرت ثقافيا وفنيا وحضاريا على ذائقة التلقي لدى جمهور الثقافة في الوطن العربي، وكم هو جميل ورائع أن تجمع الصالة الثقافية في هذه الفعالية مختلف الأذواق من مختلف الأعمار والأطياف، لتصغي إلى صوت العاطفة والوطن الجميل منذ ذلك الزمن إلى يومنا هذا والأيام التي سوف تليه؟ فهل مثل هذا التواصل الثقافي العربي يأتي في آخر الأولويات أو ليس من صميم اهتمام المواطن الثقافي والروحي؟ إذ ما قيمة أن يكون الجيب مملوءا والعقل خاويا؟! وتأتي فعالية دانس كوبا الشهيرة بقيادة ليزت ألفونسو لتبهر حضور الصالة الثقافية بجمالية الرقص الرفيع الذي يدمج بين رقصتي الفلامنكو والباليه، والذي يستحضر تراث الفن في أسبانيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، ولتجعل الأكف والهتافات تتوحد في حضرتها، وكما لو أن هذه الفرقة تنتمي لكل الحضور عرب وأجانب، أديان ومذاهب وأطياف.. إنه سحر الفن ووهجه المؤثر، ننتمي له ونحتاجه مهما كان نوعه ومصدره إذا كان رفيعا وخلاقا ومؤثرا، وهكذا كانت فرقة دانس كوبا، التي فتحت عيوننا على عوالم ربما نجهل الكثير عنها، وربما نحتاجها منذ زمن كي نحصن أنفسنا من كوارث الجهل والتخلف التي قادتنا لأسباب تبدو تافهة جدا في كثير من الأحيان إلى حروب طائفية وإلى مشاحنات لا نجني من ورائها سوى الحنظل والعلقم.. وللخليج في صيف البحرين حضور وألق فن الصوت، حيث تعانقت أصوات البحرين بأصوات الخليج لتلهب مشاعر وأحاسيس متذوقي فنون الزمن الجميل في الخليج، ولتعرف جاليات كثيرة بواحد من أهم فنون الخليج وأكثرها عراقة، ولتؤكد أن الفن عابر للقارات والمجالات الكونية، فها هو فنان البحرين ورائد الصوت في الخليج الراحل الباقي في الذاكرة محمد بن فارس يتجاوز خارطة بلده ليمتد في الخليج والوطن العربي وليصبح مادة غنية وثرية للدراسة والبحث، فهل مثل هذا الفن الخليجي الأصيل الذي صدرت منه أروع القصائد وأكثرها جوسا في شجون وهموم الإنسان وأقدرها على خلق بيئة حميمية تجمع الشعوب تحت مظلتها، هل مثل هذا الفن نحن في غنى عنه، أو لا يعد استثمارا حقيقيا لتدشين صروح الحضارات في الخليج؟ في صيف البحرين كان للفنون والثقافات حوار رائع يدعو للتسامح والحب، كان أجدى بكثير ممن يدعون إلى الحوار أو يرفضونه أن يتعلموا منه ويؤسسوا لبنات انطلاقهم فيه منه، فهو حوار الثقافات الذي تنتعش السياحة في البحرين به وتنعش الاقتصاد الوطني من خلاله، ومع هذا الحوار لا ينبغي الحديث أو التطرق لهدر المال العام، فقليلة هي الملايين التي تسخر لبناء العقول والأذواق الرفيعة في أي مجتمع، فلماذا نحسد من يطمح بالمليارات لبناء هذه العقول، نحسده على الملايين ونتهمه بهدر المال العام؟ ولو طرقنا أبواب صرف السياح المالي من أجل حضور الفعاليات والمهرجانات الثقافية في العالم، لأدركنا كم وفرت وزارة الثقافة على الدولة من المال بإقامتها وتنظيمها لصيف البحرين الذي يجبر في كل عام قبل إقامته ثلثي المواطنين للهروب إلى الخارج بسبب لهيبه الذي لا يحتمل، والذي بسببه تنفق ملايين الأموال للسياحة في الخارج.. صيف البحرين، ليس انتصارا للفرح فحسب، وإنما أثبت أنه أيضا انتصار للحوار الخلاق والمثمر بين ثقافات الشعوب في ظل فترة عصيبة مرت بها البحرين يتعذر معها استقرار وضمان التواصل مع الفعاليات، ولكن جاذبية هذا الفرح الخلاق كانت أقوى من هذه الفترة وأكثر تحديا لما يمكن أن يعيق بزوغ أو تألق هذا الفرح والحوار الخلاقين للثقافات، وكانت البحرين ملتقى ثقافات العالم، حيث اختصر جمهور الثقافة كل المسافات فيها، وحيث كانت مؤتمرا ثقافيا توافقيا موازيا في صيغته الأخرى والأمثل لحوار التوافق الوطني.. فليستمر فعل الثقافة الخلاق، ليس في صيف البحرين فحسب، وإنما في كل المواسم.. فمعه نكون في كون المستقبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا