النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

مائة عام على تاريخ البلديات في البحرين 4/‏4

رابط مختصر
العدد 11005 الاثنين 27 مايو 2019 الموافق 22 رمضان 1440

في هذه الحلقة الرابعة والاخيرة من مئوية البلدية سوف اتوقف عند ذاكرتنا الطفولية في الحورة مع كل معالم وحضور البلدية في حياتنا وهي بالتأكيد حاضرة في ذاكرة احياء اخرى في كل البحرين غير انني سأهتم بطفولتنا نحن وذاكرتنا وايامنا الجميلة مع ثلاثة أعمدة هي اركان البلدية المزروعة في الحورة الاولى هو الكجرة مكب القمامات الثانية حوطة الحمير اسطبل النهيق الليلي السيمفوني اما الثالثة فتلك ذاكرة اهل الحورة خاصة الصيف الناعس ألا وهو المقصب (المسلخ) فبعد ان ينتهي القصابون من الذبح والسلخ والتجهيز لتلك الحيوانات الميتة تنقل الى اسواق المنامة ومحلات بيع اللحم.

كانت في حوطة الحمير الواسعة جزء صغير ملحق كمرفق توضع فيه الحيوانات قبل الذبح بساعات إذ يتم احضارها من الزرائب وحظائر المستوردين مساء قبل حلول الظلام لتودع في تلك الحوطة ومع بزوغ الفجر يبدأ الذبح والسلخ. نصيبنا نحن اطفال الحورة ورجالها الشيئ الكثير من تلك الزوائد والفضلات والكروش فالفقراء يجدون فيها طعامهم اما محبو الطبول فلا بد وان يكون صيدهم ثمين من تلك الجلود اما نحن فنلاحق في ماء البحر بعد ان يتراجع مع الجزر لنلتقط قرون الاغنام والتيوس حيث كنا نستهوي لعبة الهوكي. والله كم مؤلم حين يضربك زميلك بدلا من ضرب الكرة في عظمة القدم البارزة وانت حافيا. اعتقد ان ابناء الحورة الفقراء كانوا فعلاً مهوسين بامور لا يمكن تخيلها.

اما المقصب المكشوف بأعمدته من الجهات الاربع وهو ممتد في وسط البحر فإنه بعد تنظيف الدم والبقايا وروث الكروش يتحول الى مكيف بارد نجد فيه مكانًا لنوم الظهيرة فيما الكبار والعاطلون منهم حولوه الى شبه حجر النادي، حيث تستهويهم لعب الورق. لا يوجد شخص سكن الحورة وبالذات من أهل منطقة شرق الحورة لم يتردد على ذلك البهو الرائع بمشهد البحر مع رطوبة الكوس وهوى الشمال. للمقصب نسائم الربيع في تلك الذاكرة مثلما للكجرة خصوصية النبش والتنقيب بما تجلبه عربات القمامات التي تجرها الحمير ولكن شاحنة وقمامات الجيش البريطاني القادمة من الار اف في المحرق فهي محملة بزبالة الاسياد المنعمين بطعام مختلف وفضلات وفيرة غنية هكذا كانوا اطفال الحورة يصرخون كجرة بيوت الانجليز وصلت حيث كان اكرم من عجم ساحل فارس بطلها المغوار لشعوره انه يسكب في الكجرة ثروته الثمينة من عربته الخصوصية. كنا نستمتع في اجازة الصيف بأجواء الحي الترابي ونحن نشاهد الخمامة الكناسين وهم يمشطون الاحياء المتربة المتسخة مع تلك البراحات التي تحولت للبيوت الى مكبات للزبالة ولنتخيل كم يتجمع حولها من ذباب وبعوض وفئران وقطط وكلاب. هؤلاء الكناسون كان يجلدهم بأوامره الفورمن ! ايوب كان مميزا بوجه محمر وصوات تعسفي احمق مع عمال النظافة اتذكره كيف وضع على كتفه قطعة قماش حمراء لتميزه بمرتبته الوظيفية اتذكرها تماماً حينما شاهدتها لاحقاً في مواكب المسيرات الشيوعيين في احتفالات ثورة اكتوبر. تذكرته حالا كيف كانت تسعد ايوب تلك القماشة الحمراء الخالية من المطرقة والمنجل.ايوب كان قاسياً مع ابناء جلدته ومع اؤلئك الفقراء القادمين من ساحل بر فارس.

 صورة الخمامة جزء مهم في ذاكرة جيلنا وعملاً مهماً من اعمال البلديات ولكنني لن أنسى صغار الحورة المجانين الذين كانوا سعداء وهم يدخلون ويخرجون بمتعة اللعب من ذلك الدخان الابيض الكثيف الذي كانت تبثه عربة الفليت تلك العربة يظل الصغار يلاحقونها طول وقت عملها في الازقة لكي يستلذوا بلعبة ذلك الدخان. لم نكن لا نحن الشباب ولا الصغار ولا حتى الكبار في الحي نصحنا عن خطورة ما يمكن ان يفعله ذلك الدخان لرئة الانسان الله وكيلك عربة الفليت التي كانت تداهم الحي فجأة وبعد ان ينتشر الذباب والبعوض بشكل لا يطاق وتنتشر الامراض تتفرغ لنا تلك العربة السحرية برذاذها المميت.

أمضينا فصولاً من السنة بسعادة متنوعة بين صيف المقصب وشتاء الكجرة ونهيق الحمير الليلي وطبول ليالي رمضان فالحي غني بمصادر تلك الجلود ببركة وجود المقصب.

شهور وأيام كانت تمضي وحياة متلونة ببساطة الحياة، حيث لم نقف يوماً واحداً عن لعب كرة القدم حتى مع مد البحر وجزره كنا نلعب فيما كانوا يسمونه البطح، حيث الرمل البحري الناعم وكلما تصببنا كثيراً وزحف مد البحر على ملعبنا البطح كنا جاهزين وعراة للتمتع بالسباحة في بحر الحورة الذي اختفى بعيداً ومعه ذلك الخور الجميل بين الجفير والحالة وظلت ذاكرتنا ترنو للبعيد بحسرة وألم غريب بحجم شهقة الموت.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا