النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11027 الثلاثاء 18 يونيو 2019 الموافق 15 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

البيت العود

رابط مختصر
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440

 تخفيفًا مني على القارئ وتخففًا من انعكاسات الموضوعات السياسية التي ترهق الروح وتتعب العقل وتكدر النفسية أحياناً، سأنأى بنفسي- ولو إلى حين - عما يفرضه قرع طبول الحرب استعداداً لحرب أخرى جديدة في الخليج العربي أرجو بالمناسبة أن تلقن فيها إيران درساً يعيدها إلى رشدها ليستتب بعدها الأمن والاستقرار في دول الخليج العربي. لم أجد بمناسبة رمضان أفضل من رحلة الذاكرة أفتح بها نافذة على الماضي للتعريف ببعض مما مضى وانقضى والترويح عن النفس عبر استحضار أحلى الذكريات، ولعلي بهذا أحاول في هذا الشهر الكريم ولو لمرات قليلة الاستعانة بالمشاهد والصور المتخمة بها الذاكرة والتي تراكمت في مدى يزيد على ستة عقود، أن أشاركك قارئي العزيز فيما عايشته ورأيت فيه متعة من متع التجوال في الماضي.

 حديثي في هذا السياق سيدور حول مسمى «البيت العود» التراثي ومفهومه في ذاكرتنا الشعبية، وهو مسمى كثيراً ما نسمعه يتردد في هذا الشهر الكريم على لسان كثر من الناس بالقول «اليوم الفطور في البيت العود». وتركيزي هنا سينصب على مثال لهذا البيت استجلبه من الماضي لمعرفتي الدقيقة به من خلال معايشتي، طفلاً ومراهقاً وشاباً، لكثير من تفاصيل يومياته. هذا البيت كان قائما دائما في قرية قلالي على امتداد الزمن الذي وجدت فيه هذه القرية على خريطة جزر البحرين. ولكن قبل أن أدخل في الموضوع علي أن أوضح المقصود بالبيت العود بحسب فهمي الشخصي.

 من المتعارف عليه أن «البيت العود» تسمية تطلق على كل بيت يحتضن الأسر الممتدة، والتسمية التراثية للبيت العود هي أكثر التسميات تعبيراً عن دفء المكان وتحيل الإنسان البحريني مباشرة إلى تذكر الممارسات الاجتماعية وطقوسها في وسط رهط من الإخوة والأعمام وأبناء وبنات الأعمام، بل وأحيانا تطول قائمة النسب التي يضمها البيت العود الواحد. وفي اعتقادي أن البيت العود نادر الوجود اليوم إن لم يكن لا وجود له بحكم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي فرضت نسقا من الحياة في المجتمع البحريني، وتغيرا في شكل الأسر. ومن وجهة نظري الشخصية فإن كل بيت جديد يؤسسه الزوجان هو مشروع بيت عود بالمفهوم المتوارث إذا ما توافرت المقومات والخصائص التي تنهض بمثل هذا البيت. الأمر يتعلق بهذين الزوجين هل يريدان أن يأخذ بيتهما الجديد هذه الصفة أم لا.

 هكذا كان الأمر في السابق، وأقصد في أيام الآباء والأجداد، إذ لا مناص من أن يكون كل بيت من البيوت «بيتا عودا». غير أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن يتحلى أفراد البيت بمجموعة من الخصال والقيم كالمحبة والتسامح والاحترام المتبادل. كما أن هناك مجموعة من الترتيبات الإدارية الطوعية العفوية التي من شأنها أن تحافظ على بقاء هذا البيت قائما مثل تشارك الرجال في دعم ميزانية البيت لشراء الاحتياجات المنزلية ومنها «ماجلة البيت»، وأن يكون الطبخ جماعياً، وأن تتناوب نساء البيت العود على تأمين الطبخ والتنظيف بشكل لا يضام فيه حق أحد. وإذا ما أخل أحد بهذا التنظيم الإداري العفوي والدقيق، فإن في ذلك مؤشر رغبة في الانفصال أو الاستقلال مآل صاحبها العزل وتأسيس بيت آخر في جزء من البيت العود.

 «البيت العود» هو النمط الغالب على البيوت السائدة في الماضي القريب في المجتمع البحريني، ولعل ذلك يعود أولاً: هوس الأب ورغبته في بقاء أبنائه الرجال وأحفاده معه، وثانياً: تماثل المهن التي كان يشغلها أفراد البيت الواحد من الرجال، فأغلب المهن استقطابا للرجال وقتها مهنة الغوص في المقام الأول وبعدها صيد السمك. وهذا ما يجعل «البيت العود» مؤسسة اجتماعية رمزية تنعكس على أديم صفحاتها أحوال الأسرة البحرينية ومن ثم أحوال المجتمع بأكمله في عاداته وتقاليده ومعاملاته ولوحة القيم التي يؤمن بها. «البيت العود» مدار الحديث هنا، والذي أشرت إلى أني أستجلبه من الماضي مثالاً، كان قائما في قرية قلالي، وهو البيت الوحيد الذي عرف دائماً بهذه التسمية أو الصفة وأخذ منها عنوانا بين أهالي القرية وحتى بين بعض من هم من خارج القرية، وبقي، إذا لم تخنني الذاكرة، صامدا كآخر «بيت عود» حتى نهاية ثمانينات القرن الماضي: إنه بيت جاسم محمد الشروقي (المعروف ببيت البوخليفة). 

 الحقيقة أن جاسم الشروقي كان يثير الدهشة في كيفية إدارته ذاك البيت الكبير حقيقة ومجازا، فهو كبير من حيث مكانته الاعتبارية في القرية، وكبير من حيث عدد أفراده رجالاً ونساءً وشباباً وأطفالاً، وكبير من حيث ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق رب البيت في ظل تراجع مداخيل الصيد البحري الذي كان المصدر الوحيد للدخل منذ منتصف السبعينيات، ويقتصر هذا الصيد على وسيلة أو طريقة واحدة من وسائل الصيد لا غير «مسكرين» (مثنى مسكر) و«حضرة» لكن هذه الوسيلة أو الطريقة في الصيد كانت تدر خيرا كثيرا في فترة من الفترات.

 وبحكم مجاورتي لهذا البيت، لأن «البيت العود» الذي أنا ولدت فيه وترعرعت - قبل أن يتفتت وأنا في طور الطفولة إلى أربعة بيوت، لاختلال بعض من مقومات بقائه مستمراً- ملاصق له، فقد شهدت ما كان يسود علاقات أفراده من انسجام وتكامل والتزام بضوابط البيت وسمعته. فقد كانوا، صغيرهم وكبيرهم، يحترمون القيم التي في ضوئها يدير المرحوم جاسم الشروقي والمرحومة حرمه شؤون هذا البيت. ولم أر قط جاسم يتأفف من ضيق الحال، بل وجدته دائما وأبداً بشوشاً لا يلقى الصغار والكبار إلا والبسمة تعلو محياه، ويسارع إلى ضيوفه في ضحى كل يوم وعصره لتقديم موجبات الضيافة في كرم بحريني حاتمي.

 اختفى البيت العود في صيغته الحاضنة لثمان أسر نووية، ولكن البيت بقي كمبنى يتناقل أهله تسميته حتى الآن. رحمك الله يا جاسم الشروقي، فقد كنت مثالاً للبحريني الطيب الحكيم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا