النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11028 الأربعاء 19 يونيو 2019 الموافق 16 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

فواتير التاريخ التي أجلنا دفعها:

العرب ومعضلة غياب الحسم في الفكر والسياسة!

رابط مختصر
العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440

قال الصديق:

أزداد قناعة يوماً بعد يوم بأن الفكرة العربية كرابطة وكمحرك سياسي وثقافي واجتماعي، قد تآكلت بشكل مدهش وبات النكوص عن الثوابت هو القاعدة التي تحكم الوطن العربي في ظل الوضع الراهن المسكون بالمخاوف والهواجس بكافة أشكالها السياسية والأمنية والاقتصادية. وقد نجح أعداء الأمة العربية في تعزيز هذا النكوص عن الرابطة العربية من خلال بث الفرقة والشقاق والاستقطاب السياسي بين الدول العربية، وتطور الأمر إلى درجة اختفاء مصطلح الوطن العربي (أو حتى العالم العربي) من القاموس السياسي والإعلامي العربيين، وأصبحنا جزءًا مما يسميه الغرب الشرق الأوسط وشمال افريقيا. ونما بين أوساط الأجيال الجديدة الشعور المتعاظم بإخفاق المشروع العربي النهضوي وأنه «لا فائدة ترجى من الرابطة العربية».

قلت للصديق:

أتفق معك في توصيف الوضع وقتامته، لأنه لا يحتاج إلى بيان، ولكن الأهم من ذلك هو الوعي بالأسباب العميقة لهذا التراجع. فنحن نعلم بأن الصراعات والحروب والكوارث التي عشناها خلال العقود الماضية، والنكبات التي تسببت فيها بعض الأنظمة العربية، وسوء إدارة أمورنا ومواردنا، وعدم قدرتنا على التجاوز، إضافة إلى تكالب الآخرين علينا، بالعدوان والتآمر والاحتلال، جعلتنا ندور في حلقة مفرغة في الضياع والهوان. ولذلك، فمن المهم أن يدفعنا هذا الوضع إلى مراجعة ورؤانا والطرائق التي تعاملنا بها إلى حد الآن مع قضايانا المصيرية. فعلى صعيد الوضع الحضاري العام، ما تزال تفصلنا عن العالم المتقدم هوة كبيرة، تقدر ببضعة قرون من التطورات النوعية، حيث استطاعت دول عديدة كانت متخلفة في شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا ومن قبلها اليابان أن تنهض وتبني نهضتها بالرغم مما عانت منه في مراحل سابقة من تاريخها من حروب وصراعات، وبقينا نحن في مؤخرة الركب نراوح في مكاننا، بل ونتأخر إلى الوراء في كل مرحلة.

قال الصديق:

لا مجال للمقارنة في رأيي بين حالنا المسكين، وأحوال تلك الأقاليم والدول في العالم، وذلك لسببين: الأول هو موقعنا الجغرافي الاستراتيجي في قلب العالم الذي جعلنا باستمرار في موقع الاستهداف والطمع من القوى العالمية من الشرق أو من الغرب، والثاني تأثير التاريخ المثقل بالحروب والدماء والمواجهات بيننا وبين الغرب، وهذان أمران يعيقان عملية الاندماج مع العصر ضمن المنظومة الكونية الحديثة، والأخذ بأسباب التقدم، مثلما فعلت تلك الدول.

قلت للصديق:

كل ذلك لا يحول، ولا يمكن أن يحول دون الخروج من حالة التخلف والضياع، فالعديد من البلدان التي شهدت حروبًا وصراعات مدمرة ومنها الصين التي تمزقت في مرحلة من مراحل تاريخها الحديث ثم استعادت وحدتها وتطورها الثقافي والسياسي والاقتصادي الذي حولها إلى قوة عظمى ضاربة، ومنها اليابان التي ضربت بالنووي، واستطاعت – مع ذلك-أن تنهض من جديد، وتحقق تقدما أذهل العالم، وكذا الأمر بالنسبة لكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة، وغيرها، ولذلك أرى أن العلة فينا بالدرجة الأولى، فوضعنا يفترض أن يستفز التفكير ويدفع بالمناقشات إلى مستويات تتجاوز المشكلات الجزئية لتصب فيما هو جوهري، مثل التحولات الكبرى: التاريخية والجغرافية والسياسية والحضارية، بما يخلق تربة صحية لشحذ الفكر النقدي، وتطوير منهج أكثر صرامة وعقلانية لمواجهة الوضع الاجتماعي والسياسي، واستنفار همة أقوى تصميماً، وأعظم جرأة، على وضع المسلمات والصيغ الشائعة المبتذلة والدروب المطروقة موضع السؤال. وليس تحويل الإخفاق إلى حالة يأس مدمرة لذات الأمة وتاريخها. هذا اليأس الذي بدأ-للأسف-ينتشر ويستشري بين الناس. ومن معالمه أن ينظر البعض إلى مجموع تاريخ العرب الحديث والقديم كسلسلة متواصلة من المآسي والهزائم، مصدرها انحطاط الذات وانعدام القدرة، ونقص الكفاءة والقدرة على مواجهة تحديات الواقع. وهكذا يظهر الإخفاق كما لو كان تجسيدا لعاهة فكرية او تاريخية يختص بها العرب، أو ثمرة حتمية لنقيصة ذاتية، فتكون النتيجة تكريساً للسلوكية السلبية بتعذيب النفس وتأنيب الضمير، وكلها من المشاعر التي تقضى على إمكانية استعادة الإرادة والقدرة على العمل، وامتلاك الروح العملي، فيقود ذلك إلى التشكيك في الرابطة العربية، وجدوى العمل القومي، ومن هنا تطورت بشكل سلبي دعوات الانكفاء في الأقطار العربية، والدعوات القطرية، وأصبح الحديث عن الإخفاق وسيلة لتدعيم الممارسات السلبية والاتجاهات الانكفائية والعنصرية، والاتجاهات التقسيمية التي كانت هي نفسها من أسباب هذا الإخفاق ومكوناته، بل تدرج هذا الأمر خلال السنوات القليلة الماضية ليتحول إلى ركض وراء الأعداء التاريخيين للأمة، بل والدعوة إلى التطبيع مع العدو المحتل الذي اغتصب الأرض.

قال الصديق:

هذا الأمر يضع على عاتق النخب السياسية والمثقفين والمفكرين العرب مسؤوليات كبيرة من أجل الخروج من هذه الحالة المزرية، لتجاوز العبثية والانتحارية والاستعراضية اللفظية التي سادت لفترة طويلة من تاريخنا المعاصر ولم تجلب لنا إلا الأهوال. والعبرة هنا هي بما يحدث في الواقع العملي، وليس بما يقال ويكتب على صفحات الكتب. فعلينا ألا ننسى أنه كانت هناك أيضا نهضة عربية حديثة منذ القرن التاسع عشر، ثم ذهبت مع ريح النكبات والتراجعات... وكذلك الواقع الذي لم يتحرر من الماضي الثقيل الذي يأخذ في كل منعطف بخناق الواقع ويعيده إلى الوراء. فالمسألة أننا نعيش في مرحلة تحول تاريخي صعب، ولكن مما زاد تعقيداته-كما يقول الدكتور محمد جابر الأنصاري-إننا أرجأنا مواجهة متطلبات الحسم التاريخي في الفكر والثقافة والسياسة والتقدم والإصلاح الذي لا بد منه، حتى طفح الكيل... إنها فواتير التطور التاريخي التي أجلناها وتهربنا منها كشعوب وكنخب سياسية وفكرية ودينية، ولذلك أرى من الضروري الدعوة إلى نهضة عربية جديدة، تتحرر من بؤس الفكر وعبادة الأصنام التي سبق للإسلام أن أطاح بها منذ 15 قرناً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا